هنا الصحراء : PassBlue
كشفت صحيفة «PassBlue» الأمريكية، المتخصصة في تغطية شؤون الأمم المتحدة والعلاقات الدولية، عن مضامين مثيرة للجدل في مشروع القرار الأمريكي الجديد بشأن قضية الصحراء، والذي يقترح تحولات جوهرية في طبيعة ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، بالتوازي مع الدفع نحو اعتماد مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الأساس الوحيد لمواصلة المفاوضات.
وبحسب التقرير المنشور يوم 23 أكتوبر الجاري، فإن واشنطن وزعت مسودة أولية لمشروع القرار على أعضاء مجلس الأمن الدولي الخمسة عشر، في 22 أكتوبر، قبل أيام قليلة من انتهاء الولاية الحالية للبعثة الأممية، المحدد في 31 أكتوبر 2026، في خطوة تعكس رغبة أمريكية في تسريع المشاورات والتوصل إلى قرار جديد بشأن مستقبل المسار السياسي والوجود الأممي بالمنطقة.
تغيير اسم «المينورسو» وإنهاء ولايتها بصيغتها الحالية
ومن أبرز المقترحات الواردة في المسودة، تغيير اسم بعثة «المينورسو»، التي أُنشئت سنة 1991 في إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين المغرب وجبهة البوليساريو، إلى «بعثة الأمم المتحدة للحل السياسي في الصحراء» (MINUSO)، بما يعني حذف الإشارة إلى الاستفتاء من اسمها الرسمي، في تحول يحمل دلالات سياسية واضحة بشأن طبيعة المهمة الأممية مستقبلاً.
كما يقترح المشروع إنهاء ولاية حفظ السلام الحالية بعد ستة أشهر، على أن تتحول البعثة، ابتداءً من فاتح ماي 2027، إلى بعثة سياسية خاصة تستمر ولايتها إلى غاية 31 أكتوبر من السنة نفسها.
ويشير هذا التوجه إلى احتمال إعادة هيكلة الوجود الأممي بالمنطقة، والانتقال من الصيغة المرتبطة بمهام البعثة الأصلية إلى دور سياسي يركز على مواكبة المفاوضات والبحث عن تسوية للنزاع.
الحكم الذاتي أساس وحيد للمفاوضات
وفي تحول لافت، تنص المسودة، وفق ما أورده التقرير، على أن «الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد القابل للتطبيق» لتسوية قضية الصحراء.
كما تدعو الأطراف المعنية إلى الانخراط بصورة نشطة وبناءة في المفاوضات، مع اعتماد مقترح الحكم الذاتي المغربي، بصيغته الموسعة والمحيّنة، أساساً وحيداً لمواصلة النقاشات، بما يضع المقترح المغربي في صلب المسار التفاوضي الذي ترعاه الولايات المتحدة.
ويربط المشروع هذا التوجه بالمباحثات التي احتضنتها مدريد وواشنطن خلال شهري يناير وفبراير الماضيين، بمشاركة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، والتي لم تسفر عن اتفاق نهائي بشأن تسوية النزاع.
البوليساريو تلوّح بالانسحاب من المسار السياسي
وفي أول رد فعل على المسودة، عبّرت جبهة البوليساريو عن رفضها للمقترحات الأمريكية، معتبرة أنها تمثل تحولاً خطيراً في مقاربة مجلس الأمن للقضية، وتمس، بحسب موقفها، بالأسس التي قام عليها المسار الأممي.
ونقل التقرير عن ممثل الجبهة لدى الأمم المتحدة، سيدي عمر، تحذيره من أن تمرير المشروع بصيغته الحالية، دون إدخال تغييرات جوهرية عليه، قد يدفع البوليساريو إلى الانسحاب من العملية السياسية برمتها.
ويتمحور اعتراض الجبهة حول تمسكها بخيار الاستفتاء، في حين تدفع المسودة الأمريكية باتجاه جعل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات المقبلة.
مخاوف من تصعيد جديد في المنطقة
وأثار المشروع، وفق التقرير ذاته، مخاوف لدى عدد من المتابعين من أن يؤدي فرض إطار تفاوضي جديد دون توافق الأطراف إلى زيادة التوتر وإضعاف فرص التوصل إلى تسوية سياسية مستدامة.
وفي هذا السياق، اعتبرت الباحثة والمتخصصة في شؤون شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، هانا راي أرمسترونغ، أن المقترحات الأمريكية ترفع بشكل حاد مخاطر التصعيد، بينما انتقد إريك هاغن، عضو مجلس إدارة منظمة «مراقبة موارد الصحراء الغربية»، التوجه نحو تكريس حل تحت السيادة المغربية، معتبراً أنه يثير إشكالات مرتبطة بمبادئ القانون الدولي.
وتظل هذه المواقف تعبيراً عن آراء أصحابها، في انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات داخل مجلس الأمن بشأن الصيغة النهائية للقرار.
تقرير غوتيريش يؤكد حق تقرير المصير
وفي مقابل التطورات المرتبطة بالمسودة الأمريكية، أشار التقرير إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أكد في تقريره المقدم إلى مجلس الأمن في الأول من أكتوبر الجاري، أن لشعب الصحراء حقاً غير قابل للتصرف في تقرير المصير.
وشدد غوتيريش، وفق الاقتباس الوارد في تقرير «PassBlue»، على ضرورة إخضاع أي مقترح لمسار تشاوري ذي معنى مع سكان الإقليم، بما يتيح لهم الاختيار الحر والطوعي بين القبول به أو رفضه.
كما تناول المشروع الأوضاع الإنسانية للاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف بالجزائر، مشيراً إلى استمرار النزوح وتدهور الظروف المعيشية، وهي معطيات توظفها واشنطن لتبرير الحاجة إلى تسريع جهود التسوية.
وفي المقابل، حذرت البوليساريو من أن تنظيم عودة اللاجئين قبل معالجة الأسباب الجذرية للنزوح والتوصل إلى تسوية، قد يشكل، بحسب موقفها، مساساً بحقوقهم ومخالفة للمبادئ المرتبطة بحماية اللاجئين.
مجلس الأمن أمام اختبار حاسم
وبحسب المعطيات التي أوردتها «PassBlue»، حُدد يوم 26 أكتوبر الجاري موعداً نهائياً لتلقي ملاحظات أعضاء مجلس الأمن بشأن المسودة، على أن يُحدد لاحقاً موعد التصويت، مع احتمال إجرائه يوم 30 أكتوبر، أي قبل انتهاء الولاية الحالية للمينورسو بيوم واحد.
وتضع هذه التطورات مجلس الأمن أمام نقاش حاسم بشأن مستقبل البعثة الأممية، وطبيعة المفاوضات المقبلة، وحدود التوافق الدولي حول الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه التسوية السياسية.
وبين الدفع الأمريكي نحو إعادة صياغة دور الأمم المتحدة واعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية إطاراً وحيداً للمفاوضات، وتمسك البوليساريو بخيار الاستفتاء، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ملامح المرحلة القادمة من النزاع، ومدى قدرة الأطراف على تفادي تصعيد جديد والحفاظ على المسار السياسي.
ملاحظة تحريرية: يتعلق الأمر بمسودة أولية لمشروع قرار، وليس بقرار نهائي صادر عن مجلس الأمن. وتبقى مضامينها قابلة للتعديل خلال المشاورات قبل التصويت.



































