الإعلام الانتخابي في الصحراء.. بين «الصحافة الموسمية» وصفحات التلميع والتشهير

هيئة التحرير22 أغسطس 2026
الإعلام الانتخابي في الصحراء.. بين «الصحافة الموسمية» وصفحات التلميع والتشهير

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي بمدينة العيون، يعود إلى الواجهة نقاش متجدد حول ما أصبح يعرف بـ«الصحافة الموسمية»، في إشارة إلى بعض المنابر والأسماء الإعلامية التي تنشط بشكل لافت خلال الفترات الانتخابية، قبل أن يتراجع حضورها أو يختفي بشكل شبه كامل بعد انتهاء الاستحقاقات.

ويرى متابعون أن هذا النمط من الممارسة الإعلامية يرتبط، في بعض الحالات، بالبحث عن مصدر دخل مؤقت خلال المواسم الانتخابية، وهو ما يطرح أسئلة حول استمرارية العمل الصحفي ومدى الالتزام بأخلاقيات المهنة بعيداً عن الحسابات المرتبطة بالمواعيد الانتخابية.

وفي السنوات الأخيرة، لم يعد الأمر مقتصرا على بعض المنابر أو الأسماء الإعلامية، بل برزت بشكل متزايد صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تظهر قبيل الانتخابات، وتختفي أو تتراجع بعد انتهائها، وتحمل في كثير من الأحيان أسماء من قبيل «أنصار فلان» أو «محبي فلان». ويعتمد جزء من هذه الصفحات بشكل مكثف على أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور والنصوص والمحتويات الدعائية، في محاولة لصناعة صورة إيجابية ومبالغ فيها لبعض المنتخبين والمرشحين، إلى درجة تقديمهم أحيانا باعتبارهم أصحاب إنجازات ومشاريع كبرى لا تدخل أصلا ضمن اختصاصاتهم.

وتتجلى إحدى أبرز الإشكالات في إسناد مشاريع وبرامج مرتبطة بقطاعات حكومية أو بأوراش وطنية كبرى إلى منتخبين بعينهم، خصوصا في مجالات الصحة والتنمية والبنية التحتية، رغم أن إنجازها يتم في إطار برامج الدولة ومؤسساتها. كما يظهر أحيانا خلط واضح بين الاختصاصات، من خلال تقديم مشاريع مرتبطة بتدبير جماعات ترابية أو مجالس إقليمية باعتبارها حصيلة لمرشحين يخوضون الانتخابات التشريعية، في حين أن البرلمان له اختصاصات وأدوار مختلفة تماما عن تدبير الشأن المحلي.

وبحسب المتابعين، بدأت هذه الظاهرة في الظهور بشكل أوضح في سياق الترويج لبعض منتخبي حزب التجمع الوطني للأحرار بجهة العيون، قبل أن تنتقل تدريجيا إلى منتخبي ومرشحي أحزاب أخرى، لتتحول إلى أسلوب جديد في التواصل السياسي غير الرسمي، مستفيد من الانتشار الواسع لمنصات التواصل وسهولة إنتاج محتويات دعائية بالذكاء الاصطناعي.

وفي الاتجاه المقابل، ظهرت صفحات مجهولة المصدر تتبنى خطابا معاديا لبعض المنتخبين والمرشحين، وتستخدم بدورها الذكاء الاصطناعي لإنتاج صور كاريكاتورية ومحتويات ساخرة ومنشورات تتجاوز أحياناً حدود النقد السياسي إلى التشهير والإساءة الشخصية. ويبدو أن الهدف من هذا النوع من الصفحات لا يقتصر على انتقاد أداء منتخب أو مناقشة حصيلته، وإنما قد يتحول إلى محاولة التأثير في صورته أمام الناخبين، خصوصاً عندما يكون المحتوى موجهاً بشكل متكرر ضد أسماء محددة بالتزامن مع الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول الجهات التي تقف خلف بعض هذه الصفحات وما إذا كانت جزءاً من صراعات انتخابية غير معلنة.

وبين صفحات التلميع وصفحات التشويه، تبرز أهمية الإعلام المهني الذي يشتغل على مدار السنة، ويواكب الشأن المحلي بعيدا عن منطق المواسم، وينتقد أداء مختلف المنتخبين والأحزاب بالمعايير نفسها دون محاباة أو استهداف. فالإعلام المهني لا يفترض أن يصنع بطلاً انتخابيا ولا أن يسقط منافسا، وإنما يضع الحصيلة والبرامج والمواقف أمام الرأي العام، ويترك للمواطن مهمة تقييمها واتخاذ موقفه منها.

وفي هذا السياق، يبدو أن بعض الأحزاب السياسية بمدينة العيون بدأت تدرك أهمية الاستثمار في الإعلام والتواصل السياسي باعتبارهما جزءا من العمل الحزبي اليومي، وليس مجرد أدوات تستعمل خلال الحملات. ويأتي حزب الاستقلال ضمن الأحزاب التي راكمت حضورا إعلاميا منظما بالمدينة، من خلال أطقم إعلامية وتجهيزات تقنية ومواكبة مستمرة لأنشطة منتخبيه، بينما اعتمد حزب التجمع الوطني للأحرار بدوره مقاربة تواصلية أكثر انتظاما مقارنة بما كان عليه الأمر في السابق، في وقت ما تزال فيه أحزاب أخرى تعاني ضعفا في هذا الجانب أو ترفع من وتيرة نشاطها الإعلامي فقط مع اقتراب الانتخابات.

ويبقى الفرق واضحا بين التواصل السياسي المشروع وبين تقديم الدعاية في صورة مادة صحفية مستقلة، كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس في حد ذاته مشكلة، وإنما تكمن الإشكالية في توظيفه لإنتاج معلومات مضللة أو صور توحي بوقائع غير حقيقية، أو لصناعة بطولات سياسية وهمية، أو لتشويه منافسين من خلال محتويات لم تحدث في الواقع.

وأمام هذا المشهد، تبرز مسؤولية المواطن أيضا في التعامل بحذر مع الصفحات المجهولة والمحتويات التي تنتشر خلال فترة الانتخابات، وعدم اعتبار كل ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي خبرا أو حقيقة، خصوصا عندما يكون مصدره غير معروف أو عندما يكون واضحاً أن الصفحة موجهة لخدمة مرشح أو مهاجمة آخر. فالانتخابات يفترض أن تكون مناسبة لمقارنة البرامج والحصائل والكفاءات، وليس لصناعة صور دعائية مبالغ فيها أو تصفية الحسابات السياسية خلف شاشات مجهولة.

وبين «الصحافة الموسمية» وصفحات التلميع والتشهير، يظل الرهان الحقيقي هو ترسيخ إعلام محلي مهني ومستمر، يشتغل على مدار السنة، يفتح المجال أمام مختلف الفاعلين، وينتقد الجميع بالمعايير نفسها، ويقدم للناخب المعلومة التي تمكنه من الحكم على أداء المنتخبين والمرشحين بعيداً عن الضجيج الانتخابي. وفي زمن أصبح فيه إنتاج صورة أو نص دعائي بالذكاء الاصطناعي أمراً متاحاً خلال دقائق، تصبح قيمة الصحافة المهنية أكبر، لأنها تقوم أساسا على التحقق والاستقلالية والمسؤولية، وهي عناصر لا يمكن أن تعوضها كثافة المنشورات ولا سرعة انتشارها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *