الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين : المشيخة أمانة و التصوف السني براء من الدخيل

رئيس التحرير20 أغسطس 2026
الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين : المشيخة أمانة و التصوف السني براء من الدخيل

 

في رحاب مركب ضريح الشيخ ماء العينين بمدينة تيزنيت وفي اليوم الرسمي لموسم هذا العلم الصوفي الشامخ جاءت محاضرة العلامة الدراكة الفهامة سماحة الدكتور الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين، لتكون أكثر من محاضرة عابرة في برنامج موسم علمي إذ كانت كلمة عالم من صميم البيت الذي حمل لواء العلم والتصوف السني والمقاومة وخدمة الوطن جيلا بعد جيل وكابرا عن كابر، فكلمة شيخ وكبير أسرة آل الشيخ ماء العينين التي تعد من أبرز الأسر العلمية والصوفية العريقة التي كان ومايزال لها حضور وازن في تاريخ العلم والتربية الدينية في المملكة المغربية وامتداداتها في العالم الإسلامي، وقد ازدادت هذه الكلمة أهمية لكونها جاءت في وقتها ومحلها، إذ يلاحظ الرأي العام الوطني،في الآونة الأخيرة بروز بعض الممارسات والطقوس المنسوبة إلى بعض الزوايا والطرق المدعية للصوفية، ممارسات أثارت كثيرا من التساؤلات والجدل لما بدا فيها من خروج عن روح الإسلام السمحة وعن أدب أهل السلوك والصفاء وعن جوهر التصوف السني الذي قام تاريخيا على التوحيد والعبادة والتزكية والاستقامة ومجاهدة النفس والابتعاد عن الشبهات والأهواء.

ومن هنا، فإن صدور هذا التفاعل العلمي من شخصية لها مكانتها العلمية والروحية ومن علامة وشيخ ينتمي إلى أسرة ارتبط اسمها تاريخيا بالعلم والتصوف يكتسي دلالة خاصة إذ جاء ليعيد الأمور إلى نصابها والأشياء إلى مستحقاتها والمفاهيم إلى أصولها، ليضع حدا للخلط الذي قد يقع بين التصوف السني في صفائه، وبين ممارسات لا صلة لها به وإن رفعت شعاره وانتسبت إلى بعض طرقه. لقد كان الشيخ واضحا في أن التصوف لا يقاس بالأزياء ولا بالألقاب ولا بالمظاهر ولا بالانتساب العائلي وإنما يقاس بما يحققه من تزكية للنفس وتصفية للقلب وإخلاص لله تعالى واستقامة على الشريعة وتهذيب للأخلاق ومجاهدة للهوى. فالتصوف الذي عرفه علماء الأمة وأئمتها ليس طريقا إلى الخرافة ولا بابا إلى الدجل ولا ميدانا لاستغلال البسطاء ولا وسيلة للنفوذ والمكاسب، بل هو في جوهره تربية على التقوى وترقية للروح وتعويد للنفس على الصدق والتواضع والقناعة والرضا.

لقد كانت وقفة الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين قوية في وجه كل محاولة لتلبيس بعض الطقوس المنحرفة لباس التصوف مؤكدا أن ما يخالف أصول الإسلام وعقيدة التوحيد وأحكام الشريعة لا يشوه التصوف وإنما يشوه أصحابه المخالفين ومن ينحو نحوهم، فالتصوف السني بريء من كل ممارسة دخيلة تناقض أصل التوحيد أو تنتهك حرمة الشريعة أو تجعل من الإنسان موضوعا للغلو والتقديس الذي لا يليق إلا بالله سبحانه وتعالى.
وإذا كان من الإنصاف أن نتحفظ في إطلاق الأحكام العقدية القاسية على الأشخاص والجماعات دون تفصيل أو تحقيق، فإنه من الإنصاف كذلك أن يقال بوضوح إن كل ممارسة تجعل غير الله موضع تقرب عبادة أو تنسب إليه خصائص الألوهية أو تخالف أصلا قطعيا من أصول الدين لايمكن أن تنسب إلى التصوف السني بأي حال من الأحوال، فالتصوف الصحيح لا يخرج عن التوحيد ولا ينفصل عن الشريعة ولا يعارض الكتاب والسنة. وبذا تتجلى أهمية الكلمة التي وجهها سماحته إلى بني آل الشيخ ماء العينين إذ لم يجعل شرف الانتساب إلى الأسرة العلمية والصوفية امتيازا يورث المشيخة بغير استحقاق وإنما جعله أمانة ومسؤولية وتكليفا. كانت وصيته في هذا الباب بالغة الدلالة من خلال أن يحرص أبناء الأسرة على ألا يتقدم إلى مقام المشيخة من ليس بعالم ولا مؤهل علميا وروحيا وأخلاقيا وأن تكون المشيخة لأهلها، وأن يصان هذا المقام عن كل دخيل وأن تنبذ الممارسات المنحرفة التي تسيء إلى صورة التصوف وإلى سمعة الزوايا وإلى مكانة أهل العلم.

إنها رسالة بالغة الأهمية في زمن أصبح فيه بعض الناس يتعاملون مع المشيخة كما لو كانت ميراثا عائليا محضا، بينما المشيخة في حقيقتها أمانة ثقيلة لا يحملها إلا من استجمع شروط العلم والورع والاستقامة وحسن السيرة، فليس كل ابن شيخ شيخا، وليس كل منتسب إلى بيت علم عالما وليس كل من جلس في مقام المشيخة صالحا للفتوى والتربية والإرشاد، وإنما العلم أولا والاستقامة ثانيا والصفاء ثالثا والعمل بما يعلم رابعا، فهذه الفكرة تحديدا تكتسب وزنا خاصا حين تصدر من كبير أسرة عريقة في العلم والتصوف لأنها ليست كلمة نقد للآخرين فحسب بل هي قبل ذلك مراجعة ذاتية شجاعة من داخل البيت الصوفي نفسه وموقف مسؤول يريد أن يحفظ للمشيخة جلالها وللزاوية حرمتها وللتصوف مكانته وللأسرة العلمية إرثها النبيل، ولم تقف المحاضرة عند حدود التشخيص والتنبيه بل ارتقت إلى مستوى اقتراح الحلول حين أكد الشيخ ضرورة التفكير في إحداث جهة رسمية أو إطار مؤسسي مختص بالرقابة والتأطير العلمي والقانوني للمشايخ وسلوكيات الطرق والزوايا الصوفية بما يكفل صيانة هذا المجال من الدخلاء وحماية المواطنين من الاستغلال وحفظ الممارسة الدينية من الانحراف مع احترام الثوابت الدينية للمملكة والاختصاصات القانونية للمؤسسات القائمة، وهي فكرة جديرة بالنقاش العمومي الرصين لأن المقصود من الرقابة في مفهومها السليم ليس التضييق على التصوف ولا مصادرة للحرية وإنما حماية المجال الديني من الدجل والاستغلال وتمييز التربية الدينية الصحيحة عن الممارسات التي لا سند لها من الشريعة، وجعل العلم والأهلية والاستقامة معايير أساسية لمن يتصدر للتوجيه الديني والروحي.

إن المغرب بما له من تاريخ عريق في الزوايا والطرق والتصوف السني وبما راكمه من مؤسسات علمية ودينية، في حاجة دائمة إلى صيانة هذا التراث من كل ما قد يسيء إليه أو يحرفه عن مقاصده. فالتصوف الأصيل المعروف ببلادنا بلاد المغرب الإسلامي، لم يكن له انفصال عن الشريعة تاريخيا بل كان في صورته السنية امتدادا للتدين والعلم والتهذيب وكان شيوخه علماء وفقهاء وأهل سلوك، لا أصحاب طقوس غريبة ولا تجارا للأساطير والأوهام.

إن الكلمة التي ألقاها الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين جاءت بمثابة تصحيح للمسار قبل أن تكون تصحيحا للمفهوم، إذ قال بلسان العالم العارف : إن صيانة التصوف تبدأ من داخله وإن حماية الزوايا تكون بإعادة الاعتبار إلى العلم وإن المشيخة لا يصونها النسب وحده، وإنما يصونها العلم والتقوى والسلوك والاستقامة وبذا تتجلى قيمة هذه المحاضرة وفرادتها فقد اجتمع فيها عمق العالم وتجربة الشيخ ومسؤولية كبير الأسرة وغيرك المثقف وبصيرة رجل الدولة في فهمه للمجال الديني.

ظهر جليا أن الشيخ حمداتي ماء العينين لك يكن في هذا المقام مدافعا عن التصوف دفاعا عاطفيا وإنما كان أشد المدافعين عنه حين واجه باسمه كل ما يسيء إليه لأن أعظم نصرة للتصوف أن ينزه عن الدخيل وأن يرد إلى أصله، إنها كلمة رجل يعرف أن أعظم الوفاء للأسلاف ليس أن نردد أسماءهم بل أن نحفظ ما تركوه من أصول وأن أصدق البر بالشيخ ماء العينين ليس أن نرفع رايته فحسب بل أن نصون علمه وتوحيده وسلوكه وأخلاقه ومقامه العلمي والروحي من أن تتسلل إليه أهواء الدخلاء، ولذلك يمكن القول إن محاضرة سماحة الدكتور الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين لم تكن فقط درسا في البيعة ونشأة الدولة الإسلامية بل كانت درسا آخر في فقه المشيخة وآداب التصوف ومسؤولية الانتساب إلى العلماء وواجب حماية الدين من أن يتحول إلى مطية للأهواء في زمن تختلط فيه الأصوات وتتشابك فيه الصور ويصبح فيه الادعاء أحيانا أعلى من البرهان تأتي كلمة العالم الرزين لتقول أنه للتصوف ميزان وللمشيخة حال وللعلم حرمة وللدين حدود.

بهذا يكون الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين قد أضاف إلى موسم الشيخ ماء العينين معنى جديدا تجلى في أن الوفاء للتراث يكون بتصحيح الحاضر وأن صيانة إرث العلماء يكون بحماية جوهره وأن أعظم تكريم للتصوف السني هو تنقيته من كل ما ليس منه.

وفي هذا كله ظل صوت الشيخ حمداتي شبيهنا ماء العينين صوتا من داخل البيت ليس صوت العصبية للبيت، بل صوت الغيرة على البيت والغيرة على العلم والغيرة على التصوف والغيرة على صورة الإسلام السمحة إلى أن أنهى الشيخ تفاعله السامي في أسمى معانيه إذ لم يكن مجرد محاضرة ألقيت في موسم بل إنها شهادة عالم على عصره ووصية شيخ لأهله ورسالة توجيه في مجاله ودعوة إلى أن تعود المشيخة إلى أهل العلم وأن يعود الدين إلى عليائه وجلاله.

بخط مريد محب وأحد الحاضرين للمحاضرة الرئيسية صباح اليوم الرسمي لموسم العلامة القطب الغوث البركة العارف بالله المجاهد الشيخ ماء العينين الكبير دفين تيزنيت المباركة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *