الدكتورة لالة سمية الداه
أثار غياب الأسماء الصحراوية عن التشكيلة الحكومية الجديدة نقاشا واسعا في الأوساط المحلية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وتعددت بشأنه التفسيرات والقراءات. وبين من يربط هذا الغياب بمدى حضور الكفاءات الصحراوية في المشهد السياسي الوطني، ومن يثير مسألة الثقة السياسية، تبرز الحاجة إلى مقاربة موضوعية تتجاوز الأحكام المسبقة وتسعى إلى استجلاء الأسباب المحتملة.
وباعتباري مهتمة بالشأن المحلي، أرى أن من المشروع طرح هذا الموضوع للنقاش، لا من منطلق المطالبة بتمثيل جغرافي آلي، وإنما انطلاقًا من التساؤل عن مدى قدرة المنظومة السياسية على اكتشاف الكفاءات الوطنية وتأهيلها، وإتاحة الفرص أمامها للمشاركة في تدبير الشأن العام.
ويمكن مقاربة هذه المسألة من خلال ثلاثة محاور أساسية: مدى حضور الكفاءات الصحراوية في المشهد السياسي، ودور الثقة السياسية في عملية الاختيار، ومسؤولية الأحزاب في استقطاب الكفاءات وتأهيلها.
أولا: هل يتعلق الأمر بضعف الكفاءات أم بضعف حضورها السياسي؟
لا شك في أن الشهادات العلمية والخبرة المهنية لا تكفيان وحدهما للوصول إلى المناصب الحكومية، إذ تتداخل في اختيار شاغليها اعتبارات سياسية ومؤسساتية متعددة. غير أن غياب الأسماء الصحراوية يطرح تساؤلا مشروعا: هل يعكس هذا الغياب ضعفا في حضور الكفاءات المؤهلة، أم أن هذه الكفاءات موجودة، لكنها لا تجد طريقها إلى دوائر الترشيح وصنع القرار؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم الاستناد إلى معطيات موضوعية، إذ لا يمكن الاستدلال على وجود الكفاءة أو غيابها انطلاقا من التشكيلة الحكومية وحدها.
ثانيا: ما موقع الثقة السياسية في معادلة الاختيار؟
قد يمتلك المرشح مؤهلات علمية وخبرة مهنية معتبرة، دون أن يكون حاضرا ضمن دوائر الترشيح التي تفضي إلى تحمل المسؤوليات الحكومية. وهنا تبرز العلاقة بين الكفاءة المهنية والثقة السياسية، ومدى تأثيرهما في الوصول إلى مواقع القرار.
لكن هل يمكن تفسير غياب الأسماء الصحراوية بضعف الثقة السياسية فيها، أم أن الأمر يرتبط بعوامل أخرى، من بينها محدودية انخراط بعض الكفاءات في المسارات الحزبية؟
لا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بأي من الاحتمالين، غير أن التساؤل عن معايير الاختيار، ومدى وضوحها، وضمان تكافؤ الفرص في تطبيقها، يظل مشروعا. فالمطلوب ليس افتراض وجود خلل بعينه، بل البحث في الآليات التي تحدد فرص الوصول إلى مواقع المسؤولية.
ثالثا: هل تؤدي الأحزاب دورها في اكتشاف الكفاءات وتأهيلها؟
تضطلع الأحزاب السياسية بأدوار تتجاوز التنافس الانتخابي، لتشمل التأطير السياسي، واستقطاب الطاقات، وتكوين القيادات، وإعداد النخب القادرة على تحمل المسؤولية والمساهمة في تدبير الشأن العام.
ومن ثم، فإن غياب الأسماء الصحراوية عن التشكيلة الحكومية يطرح سؤالا بشأن مدى نجاح الأحزاب في استقطاب الكفاءات الموجودة في الأقاليم الجنوبية، وإدماجها في هياكلها، وإتاحة فرص متدرجة أمامها لتحمل المسؤوليات التنظيمية والتمثيلية.
فهل تعتمد الأحزاب آليات منتظمة لاكتشاف الكفاءات وتأهيلها، أم يظل استقطابها رهينا بالمبادرات الفردية والظروف الانتخابية؟ وهل تنجح في تحويل الرصيد العلمي والمهني إلى حضور سياسي فاعل ومؤثر؟
إن الكفاءة التي تظل بعيدة عن العمل الحزبي قد تواجه صعوبات في الولوج إلى دوائر الترشيح، كما أن الحزب الذي لا يتوفر على استراتيجية واضحة لاستقطاب الكفاءات وتأهيلها قد يجد نفسه محدود الخيارات عند الاستحقاقات السياسية.
ومع ذلك، لا يمكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا الغياب، كما لا يصح اعتباره دليلا قاطعا على الإقصاء أو انعدام الثقة، فاختيار أعضاء الحكومة تحكمه اعتبارات متعددة، ولا يمكن تحديد أثر كل منها دون الاستناد إلى معطيات دقيقة.
فأين تكمن الإشكالية؟
إن النقاش حول غياب الأسماء الصحراوية لا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة بتمثيل جغرافي آلي، ولا إلى تشكيك في كفاءة من وقع عليهم الاختيار، بل ينبغي أن ينصب على مدى إتاحة الفرص أمام مختلف الكفاءات الوطنية للتنافس على أساس الاستحقاق.
فقد لا تكمن الإشكالية في غياب الكفاءات بقدر ما تكمن في محدودية استقطابها، أو ضعف تأهيلها السياسي، أو ضيق المسارات المتاحة أمامها للوصول إلى مواقع القرار. ومن هنا، يصبح تقييم أداء الأحزاب في اكتشاف النخب وإدماجها، وتحليل مسارات وصولها إلى المسؤولية، مدخلا ضروريا لفهم هذه المسألة.
وعليه، يظل السؤال الجوهري مطروحا: هل نحن أمام إشكالية في إنتاج الكفاءات، أم في استقطابها، أم في تأهيلها سياسيا، أم في آليات اختيارها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب نقاشا مؤسساتيا مسؤولا يستند إلى المعطيات لا الانطباعات، ويجعل الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص مرتكزات أساسية لتطوير الحياة السياسية الوطنية.
فصناعة النخب السياسية لا تبدأ عند تشكيل الحكومة، بل هي مسار تراكمي يبدأ باكتشاف الكفاءات، ويمر بتأهيلها وإدماجها في الحياة السياسية، وينتهي بإتاحة مسارات حقيقية أمامها للمشاركة في صنع القرار، وتدبير الشأن العام على أساس الاستحقاق والكفاءة.



































