بقلم محمد طلبة | فاعل في قطاع الصيد البحري
بعد مرحلة طويلة من الانتظارات والإكراهات، يتطلع مهنيو قطاع الصيد البحري إلى عهد جديد يعيد الثقة بين الإدارة والمهنيين، ويحوّل الوعود إلى حلول ملموسة تستجيب لتطلعات العاملين في مختلف حلقات القطاع.
الحمد لله الذي أزاح عن قطاع الصيد البحري مرحلة أثقلت كاهل العاملين فيه، وتراكمت خلالها المشاكل والإكراهات، حتى أصبح البحر، على اتساعه، أضيق من أن يتسع لهموم أهله. فقد عاش هذا القطاع الحيوي سنوات طويلة من الانتظارات، وكأنه يبحر في بحر هائج بلا بوصلة واضحة؛ تارة تصفعه الأمواج، وتارة تعانده الرياح، فيما ظل البحار ينتظر الانفراج، وصاحب المصنع يبحث عن متنفس، ومالك القارب يحصي خسائره قبل أن يفكر في أرباحه.
لقد غادرت كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري هذا القطاع بعد مرحلة لم تكن، في نظر كثير من المهنيين والمتدخلين، في مستوى التطلعات والانتظارات. فعلى امتداد سنوات طويلة، تراكمت المعاناة وتعقدت الإكراهات، حتى بات من حق البعض التساؤل: هل نحن أمام قطاع للصيد البحري يفترض أن يشكل رافعة اقتصادية واجتماعية، أم أمام رحلة طويلة من البحث عن الأمل وسط بحر من المشاكل العالقة؟
فالبحار الذي يواجه تقلبات البحر ومخاطره، وجد نفسه أمام متاعب أخرى على اليابسة، بينما وجد أصحاب المصانع أنفسهم محاصرين بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلبات السوق. أما ملاك المراكب والقوارب، فيواجهون أعباء الصيانة والوقود والتزامات مالية لا تنتظر، في حين يحمل باقي المتدخلين في القطاع نصيبهم من المعاناة، ولكل منهم حكاية مع الإدارة وملفات ومطالب ينتظر أصحابها الحل. ويبدو أن بعض هذه الملفات ظل يصطاد المواعيد والوعود بدل أن يظفر بحلول تنهي معاناته.
ولعل أول ما يحتاج إليه قطاع الصيد البحري اليوم هو استعادة الثقة بين الإدارة والمهنيين، وجعل أبواب الوزارة مفتوحة أمام أصحاب الملفات والمشاكل الحقيقية، بما يضمن التواصل الفعال والإنصات الجاد لانشغالاتهم. فلا يعقل أن يظل المهني يطارد الحلول كما يطارد السمك في عرض البحر، في وقت يفترض فيه أن تكون الإدارة شريكا أساسيا في تجاوز الصعوبات، لا حلقة إضافية في سلسلة الانتظارات.
إن المسؤولية في تدبير قطاع حيوي كهذا ليست مجرد منصب يتغير شاغله، وإنما هي أمانة تقتضي تحقيق نتائج ملموسة، وإشعار المواطن والمهني بأن التغيير قد بدأ بالفعل. فالقطاعات المنتجة لا تحتاج إلى الخطابات وحدها، بقدر ما تحتاج إلى قرارات عملية، وتدبير فعال، وتفاعل مسؤول مع الملفات العالقة، بما يعيد الاعتبار إلى العاملين فيها ويمنحهم الثقة في المستقبل.
لقد تعب القطاع من سنوات الانتظار، وملّ أهله من سماع الأخبار التي تبشر بقرب الانفراج، بينما تظل المعاناة راسية في الميناء، تنتظر من يرفع عنها مرساة التعثر. لذلك، فإن توديع المرحلة الماضية، بما حملته من إخفاقات وانتقادات في نظر عدد من المهنيين، لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دائمة مع الماضي، بل إلى فرصة لاستخلاص الدروس وتجاوز الاختلالات التي أعاقت مسار القطاع.
وفي المقابل، نستقبل المرحلة الجديدة بتفاؤل مسؤول، لا يبالغ في رسم الأحلام، ولا يغلق باب الأمل أمام إمكانية التغيير. فالوزير الجديد أمام فرصة حقيقية لإثبات أن التغيير لا يعني مجرد تبديل الأسماء، وإنما يستوجب تجديد أساليب التفكير والتدبير، واعتماد مقاربة أكثر انفتاحا وفعالية في التعاطي مع انتظارات المهنيين ومشاكلهم.
إن سنوات المعاناة، مهما طالت، يمكن أن تتحول إلى درس لبناء مرحلة أكثر إنصافا ونجاعة، شريطة أن تكون هناك إرادة حقيقية لمعالجة الاختلالات، والاستماع إلى مختلف المتدخلين، والانتقال من تدبير الملفات بمنطق الانتظار إلى معالجتها بمنطق النتائج والمسؤولية.
نسأل الله أن تكون هذه المرحلة فاتحة خير على قطاع الصيد البحري، وأن يخرج البحارة ومهنيو القطاع من دوامة الانتظار إلى رحابة الإنجاز، وأن تتحول سنوات العجاف إلى مجرد حكايات تروى في الموانئ، ويبتسم أصحابها يوما وهم يستحضرون تلك المرحلة بالقول: أتذكرون حين كان الحصول على حل أصعب من الحصول على السمك؟
فأهلا بالمرحلة الجديدة، ولتكن بشائر الخير هذه المرة في مستوى انتظارات أهل البحر، حتى لا يبقى الأمل وحده يصارع الأمواج، فيما تظل الحلول راسية بعيدا عن الميناء.



































