موريتانيا تثير ملف الحدود في مفاوضات الصحراء.. هل تسعى نواكشوط إلى تحصين موقفها بشأن الكويرة؟

هيئة التحرير12 أكتوبر 2026
موريتانيا تثير ملف الحدود في مفاوضات الصحراء.. هل تسعى نواكشوط إلى تحصين موقفها بشأن الكويرة؟

هنا الصحراء : محمود ازرقي

أعادت موريتانيا ملف الحدود الدولية إلى واجهة المفاوضات المتعلقة بنزاع الصحراء، بعدما اقترحت إنشاء لجنة لتحديد الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه، خلال جولة المباحثات التي احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد يومي 8 و9 فبراير 2026، بمشاركة المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا، وبرعاية أمريكية ودعم من المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا.

وبحسب ما أورده تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن تطورات قضية الصحراء، فإن وزير الخارجية الموريتاني، محمد سالم ولد مرزوك، شدد على ضرورة إحداث لجنة تتولى، بتوافق الأطراف، تحديد الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن خلفيات هذا المقترح وتوقيته، خاصة في ظل حساسية منطقة الكويرة الساحلية وموقعها الاستراتيجي قرب مدينة نواذيبو الموريتانية.

ويأتي هذا التحرك في مرحلة تتجه فيها الجهود الدولية نحو إعادة تحريك المسار السياسي للنزاع، بالتزامن مع اقتراب مجلس الأمن من مناقشة مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو»، ما يمنح مسألة الحدود أهمية إضافية ضمن النقاشات المرتبطة بالتسوية السياسية المرتقبة.
الكويرة في صلب الحسابات الموريتانية
تكتسي منطقة الكويرة أهمية جغرافية واستراتيجية بالنظر إلى موقعها على المحيط الأطلسي، بالقرب من نواذيبو، أحد أبرز المراكز الاقتصادية والمينائية في موريتانيا. كما ترتبط المنطقة بتعقيدات تاريخية وسياسية تعود إلى مرحلة ما بعد انسحاب موريتانيا من نزاع الصحراء سنة 1979.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة المبادرة الموريتانية باعتبارها محاولة للحصول على ضمانات دولية بشأن الحدود، وتفادي أي خلافات مستقبلية قد تنشأ عن مآلات التسوية السياسية للنزاع، خصوصاً في ظل تباين مواقف الأطراف المعنية بشأن الوضع النهائي للإقليم.

غير أن إدراج ملف الحدود في المفاوضات لا يعني، في حد ذاته، أن موريتانيا تتجه إلى المطالبة بأراضٍ جديدة أو أنها تستعد لاتخاذ موقف تصعيدي بشأن الكويرة، إذ لا يتضمن المعطى المنشور ما يثبت وجود مطالبة موريتانية رسمية بضم المنطقة.

هل تتحرك نواكشوط بدافع المخاوف أم المصالح الاستراتيجية؟
يطرح التوقيت الذي اختارت فيه نواكشوط إثارة هذه المسألة تساؤلات حول دوافعها السياسية والاستراتيجية. فمن المحتمل أن تكون موريتانيا حريصة على حماية حدودها القائمة، وتفادي انعكاسات أي تسوية مستقبلية للنزاع على أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية، خاصة في المناطق الشمالية القريبة من مجالها الترابي.

كما أن موقع موريتانيا كدولة مشاركة في المشاورات المتعلقة بالنزاع يمنحها مصلحة مباشرة في معرفة طبيعة الترتيبات الإقليمية التي قد تترتب عن أي اتفاق سياسي محتمل، خصوصاً أن أي تغيير في الوضع القائم بالمناطق الحدودية قد تكون له انعكاسات على حركة الأشخاص والتجارة والأمن الإقليمي.

وفي المقابل، فإن الحديث عن وجود أطماع موريتانية في الكويرة أو غيرها من المناطق يظل استنتاجاً يحتاج إلى أدلة وتصريحات رسمية واضحة، ولا يمكن اعتباره حقيقة ثابتة استناداً إلى مجرد اقتراح تشكيل لجنة لترسيم الحدود.
مناورة تفاوضية أم تحسب لمرحلة ما بعد التسوية؟

قد يعكس المقترح الموريتاني رغبة في استباق التعقيدات المحتملة التي يمكن أن تفرزها التسوية السياسية لقضية الصحراء، عبر المطالبة بتوضيح الحدود بصورة متوافق عليها دولياً. كما قد يشكل ورقة تفاوضية تهدف إلى ضمان عدم المساس بالمصالح الموريتانية خلال أي ترتيبات مستقبلية.

وفي انتظار اتضاح تفاصيل المبادرة ومواقف بقية الأطراف منها، يبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت نواكشوط تسعى فقط إلى تحصين حدودها القائمة، أم أنها تريد ضمان موقعها ومصالحها في أي صيغة سياسية جديدة قد تفرزها المفاوضات.

وفي جميع الأحوال، فإن حسم طبيعة التحرك الموريتاني يقتضي التمييز بين المطالبة بتوضيح الحدود الدولية وبين السعي إلى تغييرها، إذ لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، أدلة كافية للجزم بأن موريتانيا تتبنى مشروعاً للتوسع الترابي في منطقة الكويرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *