أكد المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، أن المفاوضات الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية للنزاع دخلت مرحلة من الجمود، رغم الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بُذلت خلال الأشهر الماضية، معتبراً أن تجاوز هذه الوضعية بات يتطلب تدخلاً من مجلس الأمن الدولي وتوضيحاً لمضامين القرار رقم 2797.
وأوضح دي ميستورا، في مداخلة أمام مجلس الأمن بتاريخ 8 أكتوبر 2026، أن العملية السياسية التي أُعيد إطلاقها في يناير الماضي شهدت تطورات وصفها بالتاريخية، من خلال عقد ثلاث جولات من المفاوضات رفيعة المستوى في واشنطن ومدريد، بمشاركة السفير مايك والتز وبدعم من كبير مستشاري الرئيس بولوس، غير أن هذه الجهود لم تتمكن من تجاوز الخلافات الجوهرية بين الأطراف المعنية.
وعزا المبعوث الأممي حالة الجمود إلى استمرار انعدام الثقة بين الطرفين، وعدم استعداد جبهة البوليساريو للدخول بجدية في مناقشة تفاصيل الحكم الذاتي باعتباره أحد الخيارات المطروحة، فضلاً عن تعقيد القضايا السياسية والقانونية المرتبطة بالتسوية، مشيراً إلى أن المقترح المغربي الموسع للحكم الذاتي، المكون من 39 صفحة، يوفر أرضية مهمة للمفاوضات، لكنه لا يزال يحتاج إلى مزيد من النقاش والتفاوض.
الحكم الذاتي في صلب المرحلة المقبلة
وفي تقييمه لآفاق التسوية، اعتبر دي ميستورا أن الحكم الذاتي الحقيقي بات الخيار الذي يستحق تركيز الاهتمام الدولي في المرحلة الراهنة، بالنظر إلى مواقف الأطراف والتطورات التي شهدها الملف خلال السنوات الخمس الماضية، فضلاً عن مواقف عدد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
ودعا مجلس الأمن إلى توضيح التوجهات الواردة في القرار رقم 2797، بما يجعل الحكم الذاتي محوراً للمناقشات المقبلة، بصرف النظر عن النتائج التي قد تسفر عنها المفاوضات، معتبراً أن الغموض الذي رافق بعض مقتضيات القرار، والذي ساهم في استئناف العملية السياسية، لم يعد يساعد على إحراز تقدم ملموس.
وشدد المسؤول الأممي على ضرورة أن يستند أي تصور للحكم الذاتي إلى ضمانات أساسية، في مقدمتها أن يكون حكماً ذاتياً فعلياً، وأن يرتبط بممارسة ذات مغزى لحق تقرير المصير، إلى جانب توفير ضمانات دولية قوية تضمن التنفيذ الكامل للاتفاق واحترام مقتضياته مستقبلاً.
مؤسسات محلية وصلاحيات فعلية وضمانات دولية
وحدد دي ميستورا مجموعة من العناصر التي يرى أنها ضرورية لضمان فعالية أي نموذج للحكم الذاتي، من بينها إرساء مؤسسات تتمتع بصلاحيات حقيقية تمكّن الصحراويين من المشاركة في اتخاذ القرارات السياسية التي تؤثر في حياتهم اليومية، فضلاً عن تمكينهم من تدبير شؤونهم المحلية، وسن القوانين المنظمة لها، وإدارة المرافق والخدمات العامة، والمشاركة في القطاعات القضائية والاقتصادية والأمنية.
كما أشار إلى أهمية تهيئة الظروف الملائمة لعودة اللاجئين الصحراويين بشكل آمن وكريم، وضمان مشاركتهم في الحياة العامة، مع إشراك جبهة البوليساريو ومختلف مكونات المجتمع الصحراوي في تدبير شؤون الإقليم.
وأكد المبعوث الأممي، في السياق ذاته، ضرورة تحصين أي اتفاق مستقبلي بضمانات تحول دون إلغائه أو تقويضه بشكل أحادي، سواء عبر قرارات مفاجئة أو مراسيم أو إجراءات إدارية، مع إخضاع تنفيذه لآليات رقابة دولية تضمن استمراريته واحترام الالتزامات المتفق عليها.
دي ميستورا: لا يمكن فرض الحكم الذاتي على الصحراويين
وفي نقطة محورية من مداخلته، شدد دي ميستورا على أن الحكم الذاتي لا يمكن فرضه على شعب الصحراء، مؤكداً ضرورة تمكين الصحراويين من الاطلاع على تفاصيل المقترح المطروح وإبداء آرائهم بشأنه، في إطار عملية أكثر شفافية وشمولاً تتيح إشراك مختلف الفئات المعنية بمستقبل الإقليم.
واعتبر أن المفاوضات تظل الإطار الأساسي لاختبار إمكانية التوصل إلى صيغة للحكم الذاتي تحظى بقبول الأطراف، غير أن نجاح أي تسوية مستدامة يقتضي، بحسب تصوره، ربطها بممارسة فعلية وذات مغزى لحق تقرير المصير، بما يمنح العملية السياسية أساساً أوسع للقبول والمشروعية.
مبادرة أممية لإطلاع اللاجئين على مقترح الحكم الذاتي
وفي سياق توسيع المشاورات مع الصحراويين، كشف دي ميستورا عن مبادرة جرى تطويرها بالتعاون مع المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهم صالح، تقضي بتنظيم زيارات فردية وطوعية للاجئين الصحراويين إلى مدينتي العيون والداخلة، بهدف الاطلاع على الأوضاع القائمة وطرح تساؤلاتهم بشأن مقترح الحكم الذاتي.
وأوضح أن المبادرة أُبلغت إلى جبهة البوليساريو في الثاني من سبتمبر الماضي، عبر رسالة مشتركة وقعها المفوض السامي لشؤون اللاجئين والسفير مايك والتز والمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة.
وبحسب دي ميستورا، فإن هذه الزيارات يمكن أن تساهم في تحسين المقترحات المطروحة وتطويرها، فضلاً عن المساعدة في بناء قاعدة اجتماعية داعمة لتسوية سياسية مستدامة للنزاع.
وأشار إلى أن جبهة البوليساريو ردت على الرسالة في 14 سبتمبر، معربة عن استعدادها للتعاون مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لتسهيل تنفيذ المبادرة المقترحة.
وتعكس مداخلة المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن توجهاً نحو جعل الحكم الذاتي محوراً للمفاوضات المقبلة، بالتوازي مع التأكيد على ضرورة ضمان مشاركة الصحراويين في تحديد مستقبلهم، وتوفير آليات دولية كفيلة بضمان تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.



































