الكاتب والمحلل الموريتاني ; أحمد محمد حمادة
أعاد مقال رأي للكاتب والمحلل الموريتاني أحمد محمد حمادة، نُشر بأحد المواقع الموريتانية تحت عنوان «لكويرة في قلب المصالح الموريتانية: أي حدود بعد تسوية الصحراء؟»، تسليط الضوء على الأبعاد الجغرافية والقانونية والاستراتيجية لمنطقة لكويرة، انطلاقاً من موقعها القريب من مدينة نواذيبو، وما يطرحه مستقبل النزاع حول الصحراء من تساؤلات بشأن الحدود والمصالح الموريتانية.
ويقدم المقال قراءة من زاوية موريتانية لمرحلة ما بعد التسوية السياسية المحتملة، معتبراً أن تداعيات أي اتفاق نهائي بشأن الوضع القانوني والسياسي للإقليم لن تقتصر على المغرب وجبهة البوليساريو، بل ستمتد، بحسب طرح الكاتب، إلى موريتانيا باعتبارها دولة مجاورة ترتبط بالمنطقة بحدود جغرافية ومصالح أمنية واقتصادية مباشرة.
لكويرة.. ما وراء الموقع الجغرافي
ينطلق أحمد محمد حمادة من الأهمية الاستراتيجية التي يكتسيها موقع لكويرة، جنوب نواذيبو، معتبراً أن النقاش حول مستقبل المنطقة لا ينبغي أن يُختزل في مسألة المطالب الإقليمية أو الارتباطات التاريخية، بل يتعين وضعه ضمن سياق أوسع يرتبط بأمن مدينة نواذيبو، وحماية المجال البحري، وضمان استقرار حركة الملاحة، وصيانة المنشآت الاقتصادية الحيوية لموريتانيا.
ويحرص الكاتب على التمييز بين لكويرة ونواذيبو من الناحية الاقتصادية، موضحاً أن ميناء تصدير خام الحديد التابع للشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم» يوجد في نواذيبو، وليس في لكويرة، غير أن القرب الجغرافي بين المنطقتين يمنح الوضع المحيط بالأخيرة أهمية في حسابات الأمن والاستقرار المرتبطة بالمدينة ومجالها البحري.
ومن هذا المنطلق، يربط المقال بين مستقبل لكويرة وبين المصالح الاستراتيجية لموريتانيا، دون أن يجعل من ذلك، بالضرورة، دعوة إلى استعادة مطالب إقليمية سبق لنواكشوط أن تخلت عنها سنة 1979.
من الانسحاب من النزاع إلى حماية المصالح
يستحضر المقال السياق التاريخي للموقف الموريتاني من نزاع الصحراء، مذكّراً بانخراط موريتانيا في النزاع خلال سبعينيات القرن الماضي، قبل انسحابها سنة 1979 وتخليها عن مطالبها الإقليمية في الصحراء بموجب الاتفاق المبرم مع جبهة البوليساريو.
ويرى الكاتب أن هذا التحول دفع نواكشوط إلى تبني سياسة تقوم على تجنب الانخراط في المطالب الإقليمية المتعارضة، مع الحفاظ على علاقاتها بمختلف الأطراف، غير أن الانسحاب السياسي والعسكري من النزاع لم يغير من حقيقة الجوار الجغرافي، ولا من ارتباط المصالح الموريتانية بالتطورات التي يعرفها الإقليم.
وتكمن الفكرة الأساسية في هذا الطرح في أن الحياد عن النزاع لا يعني الابتعاد عن تداعياته، إذ ستظل موريتانيا، وفق قراءة الكاتب، معنية بأي ترتيبات نهائية يمكن أن تؤثر في حدودها أو أمنها أو مصالحها الاقتصادية، خصوصاً في محيط نواذيبو.
السيادة والحدود.. التمييز الذي يقوم عليه المقال
يخصص الكاتب حيزاً مهماً للتمييز بين مفهوم السيادة ومفهوم الحدود، معتبراً أن تحديد الوضع السياسي والقانوني النهائي للصحراء لا يعني، تلقائياً، أن جميع المسائل المرتبطة بالحدود مع موريتانيا قد حُسمت.
فمن وجهة نظره، قد تفضي التسوية إلى تحديد الجهة صاحبة السيادة على الإقليم، بينما تظل بعض المسائل المرتبطة بالترسيم الحدودي بحاجة إلى اتفاقات قانونية واضحة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بحدود دولة مجاورة لم تكن طرفاً مباشراً في الاتفاق السياسي الأصلي.
ويؤكد المقال، في هذا السياق، أن أي ترسيم للحدود مع موريتانيا لا يمكن أن يقوم فقط على اتفاق بين المغرب وجبهة البوليساريو، بل يتطلب أساساً قانونياً وموافقة الدولة المعنية، إذا كانت الترتيبات المقترحة تمس حدودها.
ويضع هذا التمييز أمام القارئ سؤالاً قانونياً أساسياً: كيف يمكن ضمان وضوح الحدود الدولية في مرحلة ما بعد التسوية، من دون الخلط بين حق الدول في حماية حدودها ومصالحها وبين المطالب المتعلقة بالسيادة على الإقليم؟
سيناريوهات التسوية وموقع موريتانيا
يعرض أحمد محمد حمادة احتمالين رئيسيين لمستقبل الوضع السياسي للصحراء، دون الجزم بمآل أي منهما. ففي حال التوصل إلى قيام دولة صحراوية مستقلة، ستبرز، بحسب المقال، الحاجة إلى تحديد حدودها مع موريتانيا من خلال اتفاقات واضحة. أما إذا انتهت التسوية إلى إقرار السيادة على الإقليم لصالح المغرب، فإن أي تعديل في الحدود مع موريتانيا سيظل، وفق منطق الكاتب، رهيناً بأساس قانوني واتفاق مع نواكشوط.
وفي الحالتين، يرى الكاتب أن بإمكان موريتانيا طرح مصالحها ومخاوفها الأمنية والاقتصادية ضمن النقاش المتعلق بالحدود، مع التأكيد على أن المطالبة بوضوح الحدود لا تعني بالضرورة المطالبة بالسيادة على جزء من الصحراء.
غير أن المقال يميز بين هذا المطلب وبين احتمال أن تسعى موريتانيا إلى جعل لكويرة جزءاً من أراضيها؛ إذ يعتبر أن مثل هذا التوجه، إن طُرح، يتعلق بنقل السيادة، ولا يمكن أن يستند حصراً إلى القرب الجغرافي أو الوجود التاريخي أو المصالح الاقتصادية، بل يحتاج إلى اتفاق قانوني صريح مع الطرف الذي ستؤول إليه السيادة على المنطقة في إطار التسوية النهائية.
وبذلك، لا يقدم الكاتب مسألة لكويرة باعتبارها مطالبة موريتانية محسومة، وإنما يطرحها ضمن مجموعة من الاحتمالات والأسئلة المرتبطة بمستقبل الإقليم وترتيباته القانونية.
نواذيبو في صلب الحسابات الاستراتيجية
من أبرز جوانب المقال ربطه بين ملف لكويرة والمصالح الاقتصادية لموريتانيا، خاصة ما يتعلق بمدينة نواذيبو، التي تشكل مركزاً مهماً للصناعة والتجارة البحرية وتصدير خام الحديد.
ويذهب الكاتب إلى أن استقرار محيط المدينة وتأمين مجالها البحري وحماية المنشآت المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية، تمثل عناصر ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند التفكير في الترتيبات النهائية المرتبطة بالصحراء.
ومن هذه الزاوية، يدعو المقال إلى النظر إلى لكويرة باعتبارها جزءاً من ملف أوسع يتعلق بالمصالح الموريتانية في محيط نواذيبو، وليس فقط باعتبارها منطقة منفصلة يُطرح بشأنها سؤال الملكية أو السيادة.
ويعكس هذا المنظور محاولة لنقل النقاش من حدود المطالب التاريخية إلى طبيعة الضمانات القانونية والأمنية التي قد تحتاج إليها موريتانيا في مرحلة ما بعد النزاع.



































