عاد الجدل حول هوية «هدّارة»، المعروف في الرواية الشعبية الصحراوية بقصة «طفل النعامة»، إلى الواجهة، بعد تصريحات للدكتور الجزائري رحال حاول فيها حسم أصل الشخصية بالقول إن هدّارة «جزائري» لكونه ولد وعاش وتوفي في منطقة تندوف، قبل أن تواجه هذه الرواية بانتقادات من داخل مخيمات تندوف نفسها، في سياق يعكس استمرار محاولات تسييس الذاكرة الشفوية في منطقة الصحراء الكبرى.
وفي المقابل، يبرز الطرح المغربي الذي ينظر إلى قصة هدارة باعتبارها جزءا أصيلا من التراث الحسّاني الصحراوي الممتد تاريخيا عبر المجال الصحراوي المغربي، حيث تشكل هذه الحكايات الشعبية مكونا من مكونات الهوية الثقافية المشتركة التي حافظت عليها القبائل الصحراوية عبر قرون من الترحال والتواصل، بعيدا عن التقسيمات السياسية الحديثة.
وكان رحال قد قدم في وقت سابق عملا وثائقيا حول قصة هدارة، قبل أن يعود في تصريحاته الأخيرة إلى التأكيد أن القصة، من الناحية الثقافية، جزء من التراث الشفهي المشترك لمجتمع البيظان، لكنه ميز بين هذا البعد الثقافي وبين ما اعتبره «التأصيل التاريخي والجغرافي» للشخصية.
غير أن هذا التوجه، الذي يسعى إلى ربط الشخصية بحدود سياسية حديثة، يواجه انتقادات واسعة من باحثين ومهتمين بالتراث الصحراوي في المغرب، الذين يؤكدون أن مثل هذه الشخصيات نشأت في سياق تاريخي كانت فيه الصحراء فضاءً مفتوحاً ضمن المجال المغربي الأوسع، حيث لم تكن الحدود الحالية قائمة، وكانت الحركة القبلية والثقافية تتجاوز أي تقسيم إداري لاحق.
واستند رحال، بحسب ما عرضه، إلى رواية قال إنها تعود إلى شهادة أدلى بها هدّارة بنفسه في أدرار سنة 1958، حين التقى الطالب سالم بن براهيم التواتي، حيث قدم نفسه باسم «محمد ولد محمد فاضل ولد اگريميش»، وقال إن والده كان يقيم مع جماعة من قبيلة الرقيبات في منطقة تيمفوشاي.
وبناء على هذه الرواية، اعتبر رحال أن هدارة ولد وتاه وعُثر عليه وعاش في مناطق تقع اليوم ضمن المجال الترابي لولاية تندوف، قبل أن يتوفى سنة 1958 ويدفن في واد الما، ليستنتج من ذلك أن الشخصية «جزائرية» من الناحية الجغرافية.
غير أن هذا الطرح أثار ردود فعل من داخل مخيمات تندوف، حيث رفض مدونون صحراويون اختزال هوية هدارة في الحدود السياسية الحالية، معتبرين أن الحديث عن «جزائريته» يطرح إشكالات تاريخية وزمنية، خصوصا أن هدارة توفي سنة 1958، أي قبل استقلال الجزائر سنة 1962، وقبل تشكل العديد من الكيانات السياسية في المنطقة.
وفي هذا السياق، يبرز الطرح المغربي الذي يؤكد أن قراءة مثل هذه الشخصيات يجب أن تتم ضمن سياقها الصحراوي الأوسع، حيث كانت الصحراء فضاءً ثقافياً موحداً تتقاسمه القبائل تحت امتدادات تاريخية مرتبطة بالمغرب كحاضنة حضارية وثقافية، وليس كحدود سياسية ضيقة تم إسقاطها لاحقاً على ذاكرة أقدم.
وفي تدوينة حملت عنوان «هذا أمليح رداً على الدكتور ولد رحال»، طرح المدون الصحراوي سعيد عالين سلسلة من الأسئلة على رحال، من بينها: كيف يمكن وصف هدّارة بأنه «صحراوي» ثم القول في الوقت نفسه إنه «جزائري»، رغم أن وفاته سبقت استقلال الجزائر؟ كما تساءل عن مدى إمكانية اعتماد مكان الإقامة الحالي لتحديد جنسية شخص عاش في فترة كانت فيها المنطقة تتحرك ضمن مجال صحراوي مفتوح على الرحل والقبائل.
واعتبر عالين أن اسم «هدّارة» نفسه من الأسماء المتداولة في المجتمع الصحراوي، مشيراً إلى أن القصة واسم صاحبها معروفان في مختلف مناطق الصحراء، وأن محاولة ربط الاسم بحدود دولة حديثة لا تعكس حقيقة الامتداد الثقافي المشترك للمنطقة.
واستحضر المدون، في رده الساخر على تصريحات رحال، مثالاً باللاعب الفرنسي ذي الأصول الجزائرية زين الدين زيدان، متسائلاً عما إذا كان مجرد العيش والولادة في بلد ما كافياً وحده لحسم الهوية التاريخية لشخص ينتمي إلى سياق قبلي واجتماعي مختلف.
ولم يتوقف الرد عند الجانب التاريخي، بل ذهب عالين إلى التأكيد أن هدّارة «عاش بلا وطن» وفق التعبير الذي نقله عن إحدى المسنات التي استفسر منها حول القصة، في إشارة إلى أن الحدود الوطنية الحالية لم تكن معياراً حاسماً في تحديد هوية الرحل خلال تلك المرحلة.
ويأتي هذا السجال في وقت تتجه فيه قصة هدّارة إلى السينما العالمية من جديد، بعد إنتاج الفيلم الفرنسي الذي أعاد تقديم حكايته برؤية فنية حديثة، في خطوة اعتبرها متابعون فرصة لإعادة تقديم التراث الصحراوي في بعده الإنساني العالمي، وهو ما ينسجم مع الجهود الثقافية المغربية الرامية إلى تثمين الموروث الشفهي الصحراوي وإبرازه كجزء من ذاكرة إنسانية مشتركة، بعيداً عن محاولات الاحتكار أو التوظيف السياسي الضيق.
وتزداد حساسية الملف بسبب امتداد أسرة هدّارة نفسها في أكثر من فضاء صحراوي، إذ توجد روايات تشير إلى وجود أبنائه وأحفاده في المغرب وموريتانيا ومخيمات تندوف، وهو ما يعزز الطرح القائل بأن هذه الشخصيات تنتمي إلى فضاء اجتماعي وثقافي واحد، لا يمكن اختزاله في جنسية واحدة أو حدود سياسية لاحقة.
وبين رواية رحال التي تحاول ربط الشخصية بالمجال الجغرافي الحالي لتندوف، وردود فعل صحراويين من داخل مخيمات تندوف يرفضون هذا التأصيل، يظل الطرح المغربي الأكثر اتساقاً مع طبيعة التاريخ الصحراوي، الذي يقوم على الامتداد والتداخل الثقافي، لا على التقسيمات السياسية المستحدثة.
وتبقى قصة هدّارة، في نهاية المطاف، واحدة من الحكايات التي تعكس طبيعة المجال الصحراوي القديم، حيث كانت حركة الرحل والقبائل تمتد عبر فضاء تاريخي وثقافي واسع، شكل المغرب أحد أبرز مراكزه الحضارية، وهو ما يجعل من أي محاولة لاحتكارها خارج هذا السياق تبسيطاً مخلّاً لذاكرة غنية ومعقدة، تتجاوز الحدود وتبقى جزءاً من التراث الإنساني المشترك.

































![{"remix_data":[],"remix_entry_point":"challenges","source_tags":["local"],"origin":"unknown","total_draw_time":0,"total_draw_actions":0,"layers_used":0,"brushes_used":0,"photos_added":0,"total_editor_actions":{},"tools_used":{"transform":1},"is_sticker":false,"edited_since_last_sticker_save":true,"containsFTESticker":false}](https://i0.wp.com/hounasahara.net/wp-content/uploads/2024/06/Picsart_24-06-27_12-05-57-797.jpg?fit=560%2C315&ssl=1)