نشرت صحيفة «تلغراف» البريطانية، الأحد 16 غشت الجاري، تقريراً مطولاً للصحفي ميمفيس باركر حول رحلة قادته عبر الطريق السريع تزنيت–الداخلة، الذي يحمل منذ بداية غشت اسم «Donald J Trump Highway»، وصولاً إلى مدينة العيون، قبل أن ينهي رحلته ويعود شمالاً.
ورغم أن الرحلة، بحسب التقرير نفسه، كانت موجهة أساساً لاستكشاف الطريق الجديد والتحولات التي تشهدها الأقاليم الجنوبية، فإن الصحفي اختار أن يجعل من الإجراءات الأمنية ونقاط المراقبة محوراً بارزاً في روايته، مقدماً عمليات التحقق من الوثائق والمراقبة على الطريق باعتبارها مؤشراً على تضييق أمني وملاحقة محتملة.
ويشير باركر إلى مروره بعدد من نقاط المراقبة قبل الوصول إلى العيون، حيث خضع فريقه لإجراءات التحقق من وثائق السفر، وهي إجراءات أمنية عادية ومألوفة على الطرق والمداخل المؤدية إلى مناطق ذات حساسية أمنية، خصوصاً في ظل الوضع الجيوسياسي للمنطقة ووجود منشآت عسكرية وأمنية بها.
غير أن التقرير يمنح هذه الإجراءات مساحة لافتة، إذ ينتقل من مجرد وصف نقاط التفتيش إلى الحديث عن «مراقبة» و«ملاحقة» مزعومة، مستنداً إلى ملاحظات الصحفي ومصور الصحيفة بشأن سيارات قال إن أفراداً فيها كانوا يتابعون تحركاتهما.
ويقول باركر إن المصور المرافق له تلقى طلباً عبر «لينكدإن» من شخص قدم نفسه كعضو في المديرية العامة للأمن الوطني، قبل أن يلاحظ الفريق، بعد مغادرة العيون، مركبات قال إنها كانت تتابع تحركاته. غير أن التقرير لا يقدم دليلاً مستقلاً يثبت هوية الأشخاص أو طبيعة الجهة التي تقف وراء هذه السيارات، فيما أعلنت الصحيفة أنها تواصلت مع الحكومة المغربية للحصول على رد.
وفي المقابل، لا يحظى الهدف المعلن من الرحلة، والمتمثل في معاينة التحولات التي تعرفها المنطقة، بالمساحة نفسها التي خصصت للتفاصيل الأمنية. فعلى امتداد الطريق، يعترف التقرير بوجود استثمارات ومشاريع عمرانية وبنية تحتية واسعة، ويتوقف عند التغيرات التي عرفتها مدينة العيون، من طرق ومرافق عمومية ومساحات خضراء ومشاريع سكنية وتجارية.
كما يقر التقرير بوجود مؤشرات اقتصادية واجتماعية إيجابية في المنطقة، ويتحدث عن حجم الاستثمارات العمومية وتطور البنية الحضرية، لكنه يعيد إدراج معظم هذه المعطيات ضمن قراءة سياسية مرتبطة بموقف المغرب من قضية الصحراء، بدلاً من تناولها باعتبارها تحولات تنموية تستحق التقييم في حد ذاتها.
ويبرز هذا الاختيار التحريري بوضوح عند مقارنة المساحة التي خصصها التقرير لنقاط التفتيش والحديث عن المراقبة، بالمساحة المخصصة لمشاريع البنية التحتية الكبرى التي عاينها الصحفي خلال رحلته، وفي مقدمتها الطريق السريع تزنيت–الداخلة والمشاريع المرتبطة بتأهيل المدن والأقاليم الجنوبية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في ترتيب المعطيات، بل بزاوية تحريرية واضحة؛ إذ يبدو أن الصحفي دخل المنطقة وهو يحمل مسبقاً تصوراً سياسياً حول قضية الصحراء، ثم اختار قراءة الوقائع الميدانية من خلال هذا الإطار، بحيث تحولت إجراءات أمنية عادية إلى عناصر أساسية في بناء رواية عن «المراقبة» و«التضييق».
ويتعزز هذا الانطباع من خلال اللغة المستخدمة في أجزاء من التقرير، حيث لا يكتفي الصحفي بعرض مواقف الأطراف المختلفة، بل يستخدم تعبيرات ذات حمولة سياسية قوية عند حديثه عن الوجود المغربي في الصحراء، ويربط مشاريع التنمية والاستثمار بشكل مباشر بما يسميه سياسة «الضم» أو «التوسع».
كما يربط التقرير بين الوضع في الصحراء وملف الهجرة نحو سبتة، مستنداً إلى تحليلات لباحثين اعتبروا أن طريقة تعامل المغرب مع موجة الهجرة الأخيرة قد تحمل أبعاداً سياسية مرتبطة بعلاقاته مع الولايات المتحدة وإسبانيا. وهي قراءة تحليلية لا يقدم التقرير بشأنها أدلة تثبت وجود تنسيق مباشر بين الملفات المذكورة.
وفي الجانب المتعلق بالتحولات الاقتصادية، يقدم التقرير نفسه معطيات حول النمو والاستثمار ومؤشرات التنمية، لكنه يوازنها بشهادات فردية تنتقد توزيع الثروة والاستفادة من الموارد الطبيعية، ما يجعل المادة أقرب إلى ريبورتاج ذي زاوية سياسية ونقدية منها إلى تقرير ميداني يركز على رصد التحولات التي تعرفها المنطقة.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الأقاليم الجنوبية مشاريع كبرى في مجالات الطرق والموانئ والطاقة والسكن والتأهيل الحضري، فيما أصبح الطريق تزنيت–الداخلة أحد أبرز المشاريع التي تراهن عليها المملكة لربط شمال المملكة بجنوبها وتعزيز الاندماج الاقتصادي للمناطق الجنوبية مع باقي التراب الوطني.
وبذلك، فإن أهمية تقرير «تلغراف» لا تكمن فقط في ما أورده من وقائع، وإنما أيضاً في الزاوية التي اختار من خلالها قراءة تلك الوقائع. فالصحفي الذي دخل المنطقة لاستكشاف طريق ومشاريع تنموية وجد في نقاط المراقبة والإجراءات الأمنية مادة مركزية في روايته، بينما بقيت التحولات العمرانية والاستثمارات والبنية التحتية التي عاينها بنفسه في موقع ثانوي مقارنة بالسرد الأمني والسياسي.
ومهنياً، فإن التعامل مع هذا النوع من التقارير يقتضي التمييز بين الوقائع التي عاينها الصحفي، وبين تفسيراته واستنتاجاته. فوجود نقاط مراقبة والتحقق من هويات المسافرين لا يثبت في حد ذاته وجود تضييق أو ملاحقة، كما أن ملاحظة سيارة تتبع مركبة صحفية لا تكفي وحدها لإثبات ارتباطها بجهاز أمني.
وفي ظل عدم تقديم التقرير دليلاً مستقلاً على هوية الأشخاص الذين قال إنهم كانوا يراقبونه، تبقى رواية «الملاحقة الأمنية» جزءاً من رواية الصحفي نفسه، بينما تظل التحولات التنموية التي وثقها خلال رحلته وقائع ميدانية كان يمكن أن تحظى بمعالجة أوسع وأكثر توازناً، خصوصاً أن عنوان الرحلة وموضوعها الأساسي كانا مرتبطين بالطريق والبنية التحتية التي تعرفها المنطقة.
ويكشف التقرير، في نهاية المطاف، عن حضور قوي للزاوية السياسية في تغطية الصحفي للمنطقة، وهي زاوية تجعل الإجراءات الأمنية العادية مدخلاً لطرح أسئلة سياسية أوسع حول السيادة والنزاع، بدل الاكتفاء بتقديم صورة شاملة عن التحولات الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية التي تشهدها الأقاليم الجنوبية.




































