انتخابات 23 سبتمبر بالصحراء.. صراع التموقع في أفق “مرحلة الحكم الذاتي”

رئيس التحرير19 يوليو 2026
الانتخابات في الصحراء العيون

مع العد التنازلي لانتخابات 23 سبتمبر التشريعية، تعيش الأقاليم الجنوبية على إيقاع حراك سياسي غير مسبوق وصفته التقارير الإعلامية بـ”المعركة الضارية”. هذا الاستحقاق الذي يفصلنا عنه شهران فقط، يتجاوز في عمقه مجرد التنافس على 13 مقعدا برلمانيا موزعة على جهتي الصحراء؛ إنه يرسم ملامح النخبة السياسية التي ستتولى قيادة المرحلة المؤسساتية المقبلة لتنزيل مقترح الحكم الذاتي.

أبرز ما توقفت عنده القراءات السياسية الأخيرة هو التحول الجذري في طبيعة النقاش الحزبي بالمنطقة. ففي الوقت الذي تشكل فيه مغربية الصحراء إجماعا وطنيا ثابتا، انتقل الخطاب السياسي نحو “من يملك الأهلية والقدرة على مواكبة المرحلة الجديدة؟”.

ولم يعد التنافس مقتصرا على استعراض الروابط التاريخية، بل أصبح يتمحور حول القدرة على تحويل المكتسبات الدبلوماسية الدولية (خاصة بعد القرار الأممي 2797 الصادر في أكتوبر 2025) إلى واقع تنموي ملموس، يشمل مشاريع كبرى مثل ميناء الداخلة الأطلسي، الهيدروجين الأخضر، ومحطات تحلية مياه البحر.

الخريطة الحزبية.. نهاية “الزمن الآمن” للاستقلال

تشير المعطيات الميدانية إلى أن خارطة النفوذ التقليدية في الصحراء تشهد تصدعات واضحة:

  • حزب الاستقلال: الذي ظل لسنوات القوة المهيمنة، يجد نفسه اليوم في موقع الدفاع لصد هجمات حلفائه في الأغلبية الحكومية. ورغم احتفاظه بقوته الضاربة في العيون بزعامة منسقه الجهوي حمدي ولد الرشيد، إلا أن هيمنته المطلقة باتت مهددة.

  • حزب الأصالة والمعاصرة (PAM): يدخل المعركة بنبرة هجومية مستفيدا من “الميركاتو السياسي” الصيفي. وتعتبر الضربة القاضية التي وجهها للحزب العتيد هي استقطاب الخطاط ينجا (رئيس جهة الداخلة-وادي الذهب)، وهو ما يمنح “البام” قاعدة نفوذ جاهزة وخبرة بملف الصحراء. كما يعزز الحزب مواقعه في العيون عبر إعادة إدماج محمد سالم الجماني.

  • التجمع الوطني للأحرار (RNI): يراهن “الحمامة” على ورقة الحصيلة الحكومية والمشاريع الهيكلية. ومع العودة القوية لرئيسه عزيز أخنوش للإمساك بزمام التزكيات، يرتقب أن تسهم زيارته المرتقبة للمنطقة في ترجيح كفة الحزب، مستنداً إلى قلاع قوية كجهة كلميم واد نون.

خريطة النفوذ والأعيان: لغة الشبكات والتحالفات

تؤكد القراءة السوسيولوجية للانتخابات في الصحراء أن التصويت محكوم بـ”الشبكات والروابط المحلية” أكثر من البرامج الحزبية الجافة. وتتوزع موازين القوى حاليا بين ثلاثة أقطاب رئيسية:

  1. محور العيون (ولد الرشيد): يمثل المركز العصبي لحزب الاستقلال، ويمتلك شبكة تواصلية عائلية وقبلية يصعب اختراقها بسهولة.

  2. محور الداخلة (الخطاط ينجا): تحوله إلى الأصالة والمعاصرة يمثل “زلزال الصيف” السياسي، محوّلاً الخلافات التنظيمية السابقة إلى مواجهة علنية ومباشرة بين الاستقلال والبام.

  3. محور العيون الثاني (الجماني): يشكل رأس حربة “البام” لإحداث خرق في جدار الهيمنة الاستقلالية بالعيون.

أبعاد استراتيجية: من يجلس حول الطاولة غدا؟

تكتسب انتخابات سبتمبر 2026 (الخاصة بمجلس النواب، في انتظار انتخابات الجماعات والجهات والمستشارين عام 2027) حساسية مفرطة لكونها تأتي قبل أسابيع قليلة من انتهاء تفويض بعثة “المينورسو” في 31 أكتوبر 2026.

إن القوى السياسية التي ستفرزها صناديق الاقتراع في بوجدور، وأوسرد، والسمارة، وطرفاية، والداخلة، والعيون، هي التي ستملك “الشرعية التمثيلية” للتحدث باسم الساكنة محلياً ودولياً، وهي التي ستدير المرحلة المؤسساتية للحكم الذاتي. ومن هنا، ندرك أن الشراسة الحالية ليست تنافساً على مقاعد عابرة، بل هي صراع وجودي لتحديد نخب “مغرب ما بعد تسوية النزاع”.

 

تم الاعتماد على تقرير لمنصة medias 24
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *