هدّارة.. قصة صحراوية تتحول إلى سجال مغربي جزائري حول «السطو على التراث»

رئيس التحرير18 أغسطس 2026
هدّارة.. قصة صحراوية تتحول إلى سجال مغربي جزائري حول «السطو على التراث»

عاد اسم «هدارة»، المعروف في الرواية الشعبية الصحراوية بـ«طفل النعام»، إلى الواجهة بعد الجدل الذي أثاره فيلم فرنسي جديد يتناول قصته، وسط اتهامات صادرة عن وسائل إعلام جزائرية للمغرب بـ«السطو على قصة جزائرية» وتصويرها في المغرب.

وتقدم المعطيات التاريخية المتداولة حول حياة هدّارة صورة أكثر تعقيداً من محاولة اختزال القصة في جنسية واحدة، إذ عاش الرجل في فضاء صحراوي لم تكن حدوده السياسية الحالية قائمة بالشكل المعروف اليوم، قبل أن تتوزع أسرته لاحقا بين مناطق مختلفة من الصحراء.

وتشير روايات موثقة إلى أن هدّارة عاش في الصحراء وتوفي ودُفن في منطقة تقع ضمن المجال الحدودي بين المغرب والجزائر، بينما توزعت ذريته لاحقاً بين بلدان ومناطق مختلفة، من بينها المغرب وموريتانيا ومخيمات تندوف.

كما أن أحد أبنائه، أحمدو، كان يقيم في مخيمات تندوف، وهو الشخص الذي التقت به الكاتبة السويدية مونيكا زاك خلال بحثها الميداني حول قصة والده، قبل أن توثق الرواية في كتابها الذي تناول قصة «هدّارة» وحياته بين النعام والصحراء.

وتطرح هذه المعطيات سؤالاً أساسياً أمام الخطاب الإعلامي الجزائري الذي يحاول اليوم تقديم هدّارة باعتباره «جزائرياً» حصراً: إذا كانت الجزائر تعتبر هدّارة وأبناءه جزائريين، فهل يعني ذلك، وفق هذا المنطق، أن أبناءه الذين عاشوا في المغرب وموريتانيا، وكذلك ابنه الذي أقام في مخيمات تندوف، كانوا جميعاً جزءاً من الجنسية الجزائرية؟

والأكثر إثارة للجدل أن بعض الروايات الإعلامية الجزائرية تربط أبناء هدّارة بما تسميه «ثورة الصحراء»، وهو ما يفتح الباب أمام مفارقة سياسية واضحة، بالنظر إلى أن الجزائر نفسها تتعامل رسمياً مع سكان مخيمات تندوف باعتبارهم صحراويين، وليسوا مواطنين جزائريين.

وتكشف قصة هدّارة، في المقابل، عن طبيعة المجتمع الصحراوي خلال تلك المرحلة؛ فقد كانت حركة الرحل تمتد عبر مجال جغرافي واسع لم تكن الحدود السياسية الحديثة تقسمه كما هو الحال اليوم. ولذلك فإن محاولة إسقاط خرائط الدول الحالية على حياة أشخاص عاشوا قبل ترسيم تلك الحدود قد تقود إلى قراءات انتقائية للتاريخ.

وليس المغرب هو الطرف الوحيد الذي ارتبط اسمه بالقصة في السنوات الأخيرة؛ فقد سبق أن تناولت أعمال وثائقية حياة هدّارة، بينها فيلم وثائقي مغربي صدر سنة 2023 وحمل اسم Haddara، وقدم القصة باعتبارها حكاية لطفل نشأ بين النعام في الصحراء المغربية.

أما الفيلم الفرنسي الجديد L’Enfant du désert، فقد أعاد القصة إلى الواجهة من خلال معالجة سينمائية جديدة، فيما اختيرت ورزازات لتصوير العمل، وهي المدينة التي راكمت خبرة كبيرة في احتضان الإنتاجات السينمائية الدولية.

وبينما تحاول بعض الأصوات الإعلامية الجزائرية تحويل القصة إلى ملف جديد في سجال «السطو على التراث»، تبدو سيرة هدّارة نفسها أكثر اتساعاً من الحدود السياسية التي تحاول بعض القراءات الحديثة حصرها داخلها؛ فهو رجل عاش في الصحراء، وتنقلت أسرته بين المغرب وموريتانيا ومخيمات تندوف، قبل أن تتحول قصته، بعد أكثر من قرن، إلى مادة للسينما وإلى موضوع جديد للتجاذب السياسي والإعلامي بين المغرب والجزائر.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *