تحولات مؤسسة المشيخة: من سؤدد “الخيمة الكبيرة” إلى رهانات “التأطير الإداري”

لمن ميارة5 مارس 2026
تحولات مؤسسة المشيخة: من سؤدد “الخيمة الكبيرة” إلى رهانات “التأطير الإداري”
لمن ميارة

تضرب مؤسسة المشيخة بجذورها في عمق التاريخ السوسيولوجي كأقدم نظام سياسي عرفته المجتمعات، حيث لم يكن الشيخ في المنظور الخلدوني مجرد عابر سلطة، بل كان تجسيداً لـ “العصبية” التي تمنح الجماعة تماسكها ووازعها الأخلاقي. وفي فلسفة “بيير كاستر”، يُعرّف زعيم القبيلة بأنه “رجل الكلمة”، سلطته معنوية تنبع من قدرته على الإقناع، وهو ما تجسد تاريخياً في مجتمع البيضان؛ إذ كانت المشيخة “تكليفاً” يفرضه السؤدد والقدرة على “التبصّر” وإدارة شؤون “الخيمة الكبيرة”. في ذلك الزمن تميزت قامات وقورة جسدت قيم المشيخة الأصيلة، حيث كان الشيخ يضع وجاهته في خدمة السلم الاجتماعي، ترفعاً عن المآرب الشخصية الضيقة، والتزاماً بالالتحام العضوي بهموم مكوناته الاجتماعية.

بيد أن هذه الصورة المثالية شهدت تحولاً جذرياً مع المنعطف التاريخي لظهور “شيوخ تحديد الهوية” وإحصاء 1974، فمع دخول المنطقة منعطفات سياسية حاسمة، انتقلت المشيخة من “المكانة الرمزية” إلى “الدور الوظيفي الإجرائي”. هذه الفئة التي استمدت شرعيتها القانونية من إحصاء عام 1974 الذي أجرته الإدارة الإسبانية تعزز وجودها لاحقاً في سياق مخطط بيكر والعمليات الأممية لتحديد الهوية. هذا الانتقال جعل الشيخ جزءاً من آلة إدارية معقدة؛ إذ أدى تقاضي تعويضات ورواتب منتظمة إلى إعادة صياغة مفهوم “الوساطة”، ليصبح الدور يميل نحو “التنسيق الإداري” أكثر من تمثيل المكونات الاجتماعية بشكل مستقل. ومع تحول هذه الأدوار إلى وظيفة مؤدى عنها، يبرز تساؤل مشروع حول طبيعة وشرعية هذه الامتيازات: هل قُدمت هذه الهبات باسم القبيلة ككل أم لأفراد بصفتهم الشخصية؟ وإذا كانت هذه الامتيازات ثمنًا لوساطة تُمارس باسم الجماعة، فمن حق كل فرد في القبيلة، كبيراً كان أو صغيراً، أن يسأل عن مآلها وأين ذهبت، بما أنها سُلمت تحت غطاء “التمثيل الجماعي”. أما إذا كانت هبات خاصة ومحصورة في شخص الشيخ، فما هو ثمنها الحقيقي؟ وهل يمكن لامتيازات كهذه ألا تؤثر على استقلالية عمل التمثيلية وتجعلها رهينة للحسابات النفعية الضيقة؟

هذا التباعد البنيوي تجلى بوضوح من خلال المحطات الفاصلة التي كشفت تيه “البوصلة” لدى الكثيرين، حيث كشفت أزمات اجتماعية مفصلية عن خلل عميق، إذ تحول الكثير منهم من مدافع عن احتياجات قواعده ومصالحها الحيوية إلى مباركٍ لقرارات قد لا تخدمهم بل وتجحف في حقهم. هنا، لم يعد الشيخ “خيطاً أبيض” للصلح، بل صار خصماً بعباءة تقليدية، يشرعن تغييب حقوق الجماعة مقابل ضمان موقعه الإداري وامتيازاته الشخصية، وهو ما ظهر جلياً في لحظات الاحتقان التي فضلت فيها هذه النخبة التواري أو تبني خطاب مغاير لمطالب قواعدها الشعبية.

وأمام هذا التراجع، برزت مفارقة “التمثيلية الصفرية” وتحول البعض إلى “معاول هدم”، إذ يضعنا واقع الحال اليوم أمام تساؤل مرير: كيف يمكن ادعاء التمثيلية لأسماء لا تملك أي رصيد إيجابي داخل قواعدها؟ بل إن الصادم هو وجود “إجماع على الرفض” تجاه بعض هذه الشخصيات التي يتهمها الكثير من قواعدها انها انخرطت في صراعات ضيقة ساهمت في تفتيت اللحمة القبلية عوض تمتينها، مما حول الصفة إلى مجرد “عبء إداري” وكلفة مالية ترصدها الدولة لنخبة تميل نحو “التمثيل البروتوكولي” المفرغ من أي فعالية ميدانية حقيقية، وهو ما يغذي شعوراً عاماً بالظلم لدى أفراد القبيلة الذين يرون امتيازات تُمنح باسمهم دون أن ينالهم منها سوى الفتات أو الخذلان.

ورغم قتامة هذا المشهد، لا تزال تبرز معادلة “الأوتاد” في مقابل “الهياكل المعزولة”، حيث لا يمكن إنكار وجود نخبة من الشيوخ الذين لا تزال كلمتهم مسموعة؛ هؤلاء الذين ظلوا واعين بمصالح قبائلهم ولم يسمحوا لتبعيتهم المالية بأن تكون ثمنًا لسكوتهم، فنالوا إجلالاً شعبياً صادقاً لا بروتوكولياً. ورغم وجود هذه النماذج المشرفة، إلا أنها لم تستطع ردم الفجوة العميقة التي كشفت عنها الأزمات المتتالية، والتي أظهرت اتساع الهوة بين “النخبة المعينة” وبين “القاعدة القبلية”. ويتجلى هذا الواقع بوضوح في الفضاءات الرقمية التي باتت مرآة حقيقية لمستوى السخط الشعبي؛ إذ يكفي اليوم أن تُنشر تدوينة بسيطة حول هذه المؤسسة أو صفتها التمثيلية، حتى ينهمر سيل جارف من التعليقات الناقدة والمشككة في تمثيليتها وجدواها. هذا التفاعل الرقمي الصادم يضعنا أمام المعضلة الجوهرية التي تؤرق وجدان المجتمع: من يمثل من؟ ومن يستفيد باسم من؟

تأسيساً على ما سبق، تبرز ضرورة “الغربلة” الشاملة وإرساء مبدأ المساءلة كخاتمة لا مفر منها، فالأمر يتطلب اليوم فرزاً يعيد الاعتبار للشيوخ الفاعلين والملتحمين بقضايا مجتمعهم، واستبعاد من تحولت صفتهم إلى مجرد نموذج لـ “الاستفادة النفعية” التي تُهدر فيها حقوق القبيلة باسم الوساطة. إن مؤسسة المشيخة اليوم تقف أمام مفترق طرق تاريخي: إما العودة لروح “الخيمة الكبيرة” القائمة على النزاهة والعدل في توزيع ثمار الوساطة، أو الاستمرار في مسار التآكل الذي يجعل منها مجرد هيكل معزول يقتات على رصيد رمزي استُنفد، وبقايا إدارية فقدت استقلاليتها ووجاهتها في وجدان الناس.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *