غياب تمثيلية الأقاليم الجنوبية في المجلس الوطني للصحافة يعيد النقاش حول التمثيلية المجالية

هيئة التحرير16 سبتمبر 2026
غياب تمثيلية الأقاليم الجنوبية في المجلس الوطني للصحافة يعيد النقاش حول التمثيلية المجالية

أعادت النتائج المعلنة لانتخابات ممثلي الصحافيين المهنيين بالمجلس الوطني للصحافة النقاش حول التمثيلية المجالية والمهنية داخل المؤسسة الوطنية المكلفة بالتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة، بعدما لم يظهر، وفق النتائج المتداولة، اسم أي صحافي من الأقاليم الجنوبية ضمن الأعضاء المنتخبين.

ولا يتعلق الأمر بالطعن في نتائج الاقتراع، باعتبار أن انتخاب ممثلي الصحافيين تم عبر التصويت المباشر للمهنيين، وإنما يطرح الأمر سؤالا مختلفا يرتبط بآليات وهندسة تشكيل المجلس ومدى قدرتها على ضمان حضور مختلف الخصوصيات الجهوية والمجالية للمشهد الصحفي المغربي.

وتكتسي هذه المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى الامتداد الجغرافي للأقاليم الجنوبية، التي تضم ثلاث جهات وعشرة أقاليم، وتمثل، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، حوالي 45% من المساحة الإجمالية للمملكة. كما تتميز هذه المناطق بخصوصيات مهنية وثقافية ولغوية ومجالية تجعل واقع الممارسة الصحفية فيها مختلفا، في جوانب عدة، عن واقع الصحافة في المراكز الحضرية الكبرى.

وإذا كان من الطبيعي أن تعكس نتائج الاقتراع إرادة الصحافيين الذين شاركوا في العملية الانتخابية، فإن تكرار غياب صحافيي الأقاليم الجنوبية عن تركيبة المجلس يفتح، بالمقابل، نقاشا مشروعا حول ما إذا كانت الآلية الحالية كافية لضمان تمثيلية مجالية متوازنة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمؤسسة يفترض أن تمثل الجسم الصحفي بمختلف مكوناته ومجالات اشتغاله.

وتتجاوز أهمية هذا النقاش مجرد الحصول على مقعد داخل المجلس، إذ إن وجود صحافيين من مختلف الجهات يمكن أن يساهم في نقل قضايا المهنة وخصوصياتها المحلية إلى مستوى النقاش الوطني، بما في ذلك الإشكالات المرتبطة بظروف العمل، والإنتاج الإعلامي المحلي، والتغطية الميدانية، والخصوصيات الثقافية، والإكراهات التي تواجه المؤسسات الصحفية الموجودة بعيداً عن محور الرباط والدار البيضاء.

كما أن النقاش يكتسب بعداً إضافياً في ظل النقاش الوطني حول تطوير نموذج للحكامة الترابية في الأقاليم الجنوبية، وما يرافق ذلك من حديث عن توسيع آليات التدبير المحلي وتعزيز مشاركة أبناء المنطقة في المؤسسات والهياكل التي تعنى بالشأن العام والمهني. وفي هذا السياق، يمكن أن تطرح تجربة التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة نفسها ضمن الملفات التي تستحق التفكير في صيغ أكثر قرباً من الصحافيين والمهنيين المحليين.

ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء هياكل مستقلة عن المجلس الوطني للصحافة، وإنما يمكن، في إطار الإصلاح والتطوير، بحث صيغ من قبيل إحداث تمثيليات أو فروع جهوية أو آليات استشارية جهوية، تكون قادرة على استقبال انشغالات الصحافيين وتتبع الملفات المهنية محلياً، مع بقائها مرتبطة بالإطار الوطني للمجلس.

وتقدم بعض التجارب المقارنة، ومنها إسبانيا، نماذج تقوم على توزيع عدد من الاختصاصات والمؤسسات على المستوى الترابي في إطار منظومة الحكم الذاتي؛ ففي كتالونيا، على سبيل المثال، توجد مؤسسات وهيئات جهوية خاصة، من بينها مجلس السمعي البصري الكتالوني، الذي يضطلع باختصاصات في مجال الإعلام السمعي البصري داخل الإقليم. وهي تجربة يمكن دراستها من زاوية المقارنة المؤسساتية، دون افتراض إمكانية نقلها حرفياً إلى السياق المغربي.

ومن جهة أخرى، يظل تمركز المجلس الوطني للصحافة في الرباط أحد الإشكالات العملية التي يواجهها الصحافيون العاملون في الجهات البعيدة جغرافياً عن العاصمة. فعدد من الخدمات والملفات المهنية المرتبطة بالمجلس، وعلى رأسها الإجراءات المتعلقة ببطاقة الصحافة، قد تفرض على الصحافي الانتقال إلى الرباط أو التعامل مع الإدارة المركزية. وتُظهر النصوص المنظمة للمجلس أن لجنة بطاقة الصحافة المهنية تتولى تلقي الطلبات ودراسة الوثائق وإعداد الرأي بشأنها قبل عرضها على المجلس.

وبالنسبة للصحافي العامل في العيون أو الداخلة أو السمارة أو بوجدور أو كلميم وغيرها من المناطق الجنوبية، فإن البعد الجغرافي لا يمثل مجرد مسألة إدارية، بل قد يتحول إلى تكلفة مادية وزمنية إضافية، سواء تعلق الأمر بإيداع وثائق، أو تسوية وضعية مهنية، أو الاستفسار عن ملف، أو معالجة إشكال مرتبط ببطاقة الصحافة.

وعليه، فإن غياب ممثل من الأقاليم الجنوبية في التركيبة الجديدة لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره نتيجة انتخابية، بل يمكن أن يكون مناسبة لفتح نقاش مهني أوسع حول التمثيلية المجالية داخل المجلس الوطني للصحافة، وحول مدى ملاءمة آليات اشتغاله مع التوزيع الجغرافي للمهنة في المغرب.

فالمطلوب ليس تغيير نتائج صناديق الاقتراع، وإنما التفكير في آليات مؤسساتية تضمن أن تكون مختلف الأصوات والخصوصيات المهنية والمجالية حاضرة في النقاش الوطني حول مستقبل الصحافة، بما فيها صحافة الأقاليم الجنوبية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *