أثار قرار صادر عن غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالعيون نقاشا قانونيا، بعدما واصلت الهيئة القضائية محاكمة متهمة في ملف يتعلق بتنظيم الهجرة غير المشروعة، رغم غياب مؤازرة محام خلال جلسة المناقشة، وذلك في سياق يشهد فيه المغرب إضراباً للمحامين وتعليقا لخدمات المساعدة القضائية احتجاجا على مشروع قانون مهنة المحاماة.
ويستفاد من القرار، الصادر بتاريخ 9 يوليوز 2026، أن المحكمة أدانت المتهمة من أجل المشاركة في تنظيم وتسهيل خروج أشخاص من التراب الوطني بصفة سرية وفي إطار عصابة منظمة، وقضت في حقها بعقوبة حبسية مدتها سنتان، منها ثلاثة أشهر حبساً نافذاً والباقي موقوف التنفيذ، مع غرامة مالية نافذة قدرها 50 ألف درهم.
غير أن الجانب الأكثر إثارة في القرار لم يكن منطوق العقوبة، وإنما التعليل الذي اعتمدته المحكمة لمواصلة النظر في القضية رغم عدم حضور محام للدفاع عن المتهمة.
وأكدت الهيئة القضائية، في تعليلها، أن المادة 316 من قانون المسطرة الجنائية تنص على إلزامية مؤازرة المحامي في قضايا الجنايات، غير أنها اعتبرت أن هذا المقتضى لم يرتب جزاءً قانونياً على عدم تفعيله، مستحضرة في المقابل مقتضيات المواد 317 و423 من القانون نفسه المتعلقة بتعيين محام في إطار المساعدة القضائية عند الاقتضاء.
وسجلت المحكمة أنها استنفدت الوسائل القانونية الرامية إلى توفير المؤازرة للمتهمة، إلا أن ذلك تعذر، معتبرة أن تخلف المحامي “لا علاقة له بمصلحة المتهمة ولا بحقها في الدفاع”، وأن استمرار تعطيل البت في الملف يتعارض مع مبدأ استمرارية المرفق القضائي وضمان البت في القضايا داخل أجل معقول.
وأضاف القرار أن المحكمة كانت مطالبة بالموازنة بين حق المتهمة في الاستعانة بمحام، باعتباره أحد ضمانات المحاكمة العادلة، وبين ضرورة ضمان انتظام سير العدالة وعدم تعطيل المرفق القضائي، خاصة وأن المتهمة كانت رهن الاعتقال الاحتياطي وتعاني، وفق ما أثبته القرار، من مرض سرطان الثدي.
كما استندت المحكمة إلى المادة 39 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، التي تمنع المحامين من الاتفاق على التوقف الكلي عن تقديم المساعدات الواجبة تجاه القضاء، معتبرة أن استمرارية العدالة تظل مبدأ دستورياً يبرر مواصلة البت في القضية بعد تعذر توفير الدفاع في إطار المساعدة القضائية.
ويأتي هذا القرار في ظرفية استثنائية تعرفها المحاكم المغربية، حيث تواصل جمعية هيئات المحامين بالمغرب برنامجها الاحتجاجي، الذي يشمل التوقف الشامل عن العمل وتعليق خدمات المساعدة القضائية، رفضاً لمشروع قانون مهنة المحاماة، وهو ما انعكس على سير عدد من الجلسات والملفات المعروضة أمام القضاء.
ومن المنتظر أن يثير هذا القرار نقاشاً قانونياً وحقوقياً بشأن حدود إمكانية مواصلة محاكمة المتهم في غياب مؤازرة الدفاع، ومدى التوفيق بين ضمانات المحاكمة العادلة ومتطلبات استمرارية المرفق القضائي، في ظل الظرفية الاستثنائية التي يشهدها قطاع العدالة بالمغرب.



































