د. الباتول الداودي
بين انتهاء ولاية بعثة المينورسو واستمرار حضور قضية الصحراء داخل أروقة الأمم المتحدة، مسافة سياسية وقانونية تستحق التأمل والفهم، ونحن ندافع عن قضيتنا الوطنية.
تتجلى هذه المسافة في تزامن ترتيبات المغادرة، التي أبلغ بها رئيس البعثة ألكسندر إيفانكو موظفيه، مع تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة استمرار جهود التسوية عبر مبعوثه الشخصي. فانسحاب البعثة يطوي صفحة من الحضور الأممي الميداني، لكنه لا يغلق المسار السياسي. ومن ثم، فإن انتهاء ولايتها لا يعني بالضرورة انتهاء معالجة القضية داخل الأمم المتحدة.
في هذا السياق، تندرج جلسة الجمعية العامة المرتقبة في 10 نونبر، في إطار البند 62 المتعلق باستخدام حق النقض (الفيتو)، تطبيقاً للقرار 76/262 الصادر في 26 أبريل 2022. وتقتضي هذه الآلية عقد مناقشة خلال عشرة أيام عمل من استخدام الفيتو، دون أن تمنح الجمعية العامة صلاحية إلغائه أو تجديد ولاية البعثة تلقائياً. غير أنها تُبقي تداعيات ما جرى مطروحة أمام الدول الأعضاء، بما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً لقدرتنا على التأثير في النقاش الدولي وتوجيه مساراته.
وتتضح طبيعة هذا الاختبار من خلال التغطيات الإعلامية الدولية؛ فقد أبرزت وكالة «رويترز» الانقسام والتحذيرات من التداعيات الإنسانية، وركزت صحيفة «لوموند» على حالة عدم اليقين، فيما حذّرت افتتاحية «إلباييس» من عواقب غياب المراقبين الدوليين. ورغم أن هذه القراءات لا تختزل مجمل المواقف الدولية، فإنها تطرح أسئلة جوهرية يتعين على خطابنا الترافعي مواجهتها: ما الضمانات الكفيلة بالحفاظ على الاستقرار؟ وما البديل السياسي القادر على تحويل الانسحاب إلى فرصة حقيقية للتسوية؟
في ضوء هذه التساؤلات، تكتسب خطة التحرك الدبلوماسي التي أفرزتها جلسة البرلمان يوم 2 نونبر أهميتها العملية. فقد أكدت الجلسة دعمها لبلاغ الديوان الملكي، ودعت إلى عودة سكان المخيمات. غير أن التحدي اليوم يتمثل في ترجمة هذا الموقف إلى حجج مقنعة ومبادرات ملموسة تستجيب لانشغالات الأطراف الدولية. فالإجماع الوطني يمنح الدبلوماسية سندها الداخلي، لكن فعاليتها الحقيقية تُقاس بقدرتها على إقناع من لا يتقاسمون معنا المنطلقات والمواقف نفسها.
وتبدأ هذه القدرة أيضاً من الداخل، من خلال المكانة التي نمنحها للكفاءات الصحراوية في بلورة التصورات، وقيادة الترافع، والمشاركة في صناعة القرار. فكيف يمكن الدعوة إلى بناء مستقبل مشترك دون إشراك المعنيين به في رسم ملامحه؟ وكيف تكتسب الدعوات إلى العودة مصداقيتها إن لم تقترن بأفق واضح يضمن المواطنة الكاملة والمشاركة الفعلية والكرامة الإنسانية؟
من هنا، أرى أن الرهان يتجاوز مجرد تدبير مغادرة البعثة إلى تهيئة الشروط السياسية والأمنية والإنسانية التي تجعل الاستغناء عنها ممكناً ومستداماً. فهل ننجح في تحويل نهاية آلية لتدبير النزاع إلى بداية فعلية لتسويته، أم نترك الفراغ الناشئ عن غيابها يكتب الفصل المقبل من هذا الصراع؟