آثار الأسلحة النارية في مسرح الجريمة

هيئة التحرير5 أكتوبر 2026
آثار الأسلحة النارية في مسرح الجريمة

بقلم الدكتور سعيد الحافظي

في الجرائم التي ترتكب باستخدام الأسلحة النارية، فإن على ضابط مسرح الجريمة مراعاة كافة الأصول الفنية والقانونية الواجبة لإتباع الكشف عن الجريمة، من حيث سرعة الانتقال والسيطرة على المكان وتحديد الآثار وترميزها وتصويرها ورفعها وتحريزها وإرسالها إلى المختبر لفحصها، كما أنه مطالب علاوة على ذلك بالتحري عن إمكانية تحديد مسارات واتجاهات إطلاق النار في حدود ما يمكن وما يتوفر لديه من معلومات.

وأن كافة الآثار المادية المعروفة لدى الخبراء يجب توقع وجودها، كالآثار البيولوجية من دم ولعاب وعرق وشعر وإفرازات الجسم المختلفة، والآثار الكيميائية، وآثار البصمات، وآثار الأقدام، وإلى غير ذلك من الآثار.

ولكن ما نود الوقوف عنده هي الآثار الناتجة عن عملية إطلاق النار تحديداً، وتشمل:

1. سلاح الجريمة (Firearm)

من المتوقع أن نجد السلاح المستخدم في ارتكاب الجريمة في يد المتوفى في قضايا الانتحار أو الشروع فيه، كما نتوقع العثور عليه مع الجاني في حال ضبطه في مسرح الجريمة، أو قيامه بتسليم نفسه للسلطات. وفي هذه الحالة التي يعثر فيها على السلاح في مسرح الجريمة، فإنه يجب على ضابط مسرح الجريمة أن يهتم بهذا الدليل المادي الأساسي، وأن يتخذ كافة الإجراءات الضرورية الأساسية المطلوبة عند احتواء أي أثر مادي. وعلاوة على ذلك، فإن عليه أن يحدد على وجه الدقة مكان العثور على السلاح، وبعده أو قربه من الجثة، وأن يضع في اعتباره حالات كثيراً ما تحدث، وهي وضع السلاح في يد القتيل بعد قتله للإيهام بأنه قد قتل نفسه، كما أن على الخبير أن يتعامل مع هذا السلاح بحذر شديد، ويفضل نقله في وعاء كرتوني كما هو للمختبر الجنائي ليتم فحصه حسب الأصول الفنية، بحثاً عن بصمات يحملها السلاح أو الطلقات الحية المخزنة داخله، دون أن يؤثر ذلك على مخلفات الإطلاق الأخرى مثل أملاح البارود وخلافها.

2. الأظرف الفارغة (Cartridge Case)

تختلف الأسلحة من حيث قذف الظرف الفارغ في مكان الإطلاق، فعلى الأغلب في جميع أنواع الأسلحة التي تستخدم المخزن (المشط)، كالمسدسات والبنادق، يتوفر للسلاح قطعة تسمى قذاف الظروف (Ejector)، تعمل على قذف الظرف الفارغ خارج السلاح، إما يميناً أو يساراً حسب مكان وجود فتحة القذف في السلاح. أما المسدسات ذات أسطوانة دوارة أو ما يسمى بالطاحونة (Revolver)، فإنها تحتفظ بهذا الظرف داخل الطاحونة حتى تتم عملية الإطلاق وتفريغها يدوياً، وغالباً ما تكون له خمسة أو ستة حجرات تتسع لخمسة أو ستة طلقات. وكذلك الأمر بالنسبة لبنادق الخرطوش ذات الطلقة الواحدة أو التي تحتوي أكثر من سبطانة وتحمل كل واحدة بطلقة، وإنها أيضاً تحتفظ بالأظرف الفارغة بداخلها، بخلاف البنادق الحديثة التي تتغذى من مخزن يعبأ بأكثر من طلقة، فإن لها قذاف ظروف، وهي تترك أظرفها على الأغلب في مسرح الجريمة.

3. رؤوس الطلقات والمقذوفات (Bullet)

ذكر فيما سبق أنه نتيجة لعملية احتراق أملاح البارود في داخل الطلقة، فإن الغازات الناتجة عن عملية الاحتراق تدفع المقذوف الناري إلى الأمام عبر سبطانة السلاح حتى يصل إلى فوهة السلاح، وعندها تكون عملية الاحتراق قد اكتملت وتولد عنها أكبر كمية من الغاز، فيخرج المقذوف الناري بأقصى سرعة محدثاً آثاره. فعند اصطدامه بجسم صلب قد يتهشم ويغير مساره، وعند اتجاهه للأعلى فإنه يبقى صاعداً حتى يفقد كامل طاقته في أعلى نقطة يصل إليها، ويبدأ رحلة العودة إلى أسفل فيما يعرف بالمقذوف الناري في نهاية مشواره. أما في الحالة التي يكون مطلق النار مصوباً على هدفه، فإن آثار الإصابة تعتمد على طبيعة ومادة الهدف، فإذا كان جسم إنسان أو حيوان، فإنه يدخل الجسم محدثاً فتحة دخول، وهنا قد يستقر داخل الجسم، وقد يخترق الجسم ويخرج منه حسب قوة ومكان الإصابة ومسافة الإطلاق ونوع السلاح المستعمل ونوع الذخيرة.

وعلى ضابط مسرح الجريمة أن يتوقع مكان وجود رؤوس الطلقات في مسرح الجريمة، ففي الأماكن المغلقة، في حالة عدم وجود فتحة خروج في النوافذ والأبواب، فإن على ضابط مسرح الجريمة أن يبحث عن المقذوفات النارية المطلقة، والتي قد تكون مستقرة في أجساد الضحايا، وقد تكون مستقرة في الأثاث وأرضية الغرف والساحات الداخلية حسب مسارها. وفيما يتعلق بحبيبات الرش، فإنها تنتشر بعد خروجها من فوهة السلاح بشكل مخروطي، وتتباعد كلما زادت المسافة.

4. علامات قرب الإطلاق الناري

فالإطلاق يترك آثاره على الملابس والجلد ملاصق أو قريب من نقطة الإصابة، وإذا كان تحديد سبب الوفاة وفيما إذا كانت ناتجة عن الإصابة بالمقذوف الناري أم لا، يدخل ضمن مهام الطبيب الشرعي، فإن خبير الأسلحة يلعب دوراً بارزاً في تحديد علامات القرب على الملابس ونقاط الاصطدام والاحتراق في الأواني والزجاج وغيرها، بعد أو قبل الإصابة. وتفيد علامات قرب إطلاق النار في مكان الإصابة في تحديد فتحة الدخول وفتحة الخروج في حال وجودها، ففتحة الدخول غالباً ما تكون أصغر من فتحة الخروج، باستثناء حالة ما إذا كان إطلاق النار ملاصقاً أو شبه ملاصق، فعندما تكون فتحة الدخول كبيرة وتأخذ الشكل النجمي الناشئ عن ارتداد الغازات إلى الخارج بعد الدخول إلى الجسم، وتكون حواف الجرح مقلوبة إلى الخارج.

ومما يساعد في تحديد فتحة الدخول أن خيوط الملابس والأنسجة يكون اتجاهها إلى الداخل، وأحياناً داخل جرح فتحة الدخول، بينما تكون اتجاهها عكس ذلك، أي إلى الخارج في فتحة الخروج.

ويتم فحص المسحات التي تؤخذ من حول الجروح في فتحة الدخول والملابس في المختبرات، وبحسب كثافة مخلفات أملاح البارود والمخترق فتحة الدخول يمكن تحديد مسافة الإطلاق، ولذا يجب تحري الدقة في نقل الملابس وأخذ المسحات عن الجلد ونقلها إلى المختبر بهيئتها التي رفعت بها في مسرح الجريمة. أما في حالة إصابة المقذوف الناري لأحياء في مسرح الجريمة، فإن أول ما يستدل عليه أن إطلاق النار قد حدث في هذا المكان، كما يساعد في البحث عن رؤوس الطلقات في المكان، كما يفيد في تحديد مسافات واتجاهات إطلاق النار.

5. مخلفات إطلاق النار على جسم الرامي (Gun shot residue)

عندما يقوم شخص ما بإطلاق النار من سلاح، فإن عملية احتراق أملاح البارود تنتج كمية هائلة من الغازات، يصيب أول ما يصيب يد الشخص الذي يقبض على السلاح لأنها الأقرب على فتحة القذف، والتي يخرج منها جزء من هذه الغازات، ولذا يجب على ضابط مسرح الجريمة أن يقوم بأخذ المسحات عن أيدي المشتبه بهم في مسرح الجريمة حسب الأصول الفنية والعلمية.

وإذا كانت أجهزة الأشعة غير المرئية تحت الحمراء أو فوق البنفسجية مفيدة جداً في مسرح الجريمة في اكتشاف هذه الآثار، إلا أن الاختبارات الكيميائية أكثر أهمية، إذ يتم من خلال فحص المسحات المأخوذة عن يد المشتبه به وتحليلها مخبرياً واستخلاص النتائج المتعلقة بها، كما قد تلحق بعض الإصابات بيد الرامي نتيجة استعمال السلاح، كالجروح والحروق الناشئة عن خلل في السلاح أو الاستعمال الخاطئ أو كثرة الاستعمال.

كما أن من الممكن العثور على بعض الدماء المتناثرة من جسم الضحية على جسم الجاني في حالة الإطلاق عن قرب.

6. تحديد مسافات الإطلاق

يلعب ضابط مسرح الجريمة وخبير الأسلحة في مسرح الجريمة دوراً فعالاً في تحديد المسافة التي أطلقت منها النيران، من خلال معاينة الآثار المتخلفة في مسرح الجريمة، كالأظرف الفارغة ورؤوس الطلقات وشكل الإصابة وآثار إطلاق النار على جسم المجني عليه.

كما أن وجود حواجز طبيعية في مسرح الجريمة، كالمباني العالية أو الجبال، تمكن الخبير من تحديد مسافة الإطلاق فيما إذا كانت أقرب من تلك الحواجز أم أبعد. وفي بعض الإصابات يستطيع الخبير تحديد ما إذا كانت الإصابة مباشرة أم أنها ناشئة عن مقذوف عائد من الجو في نهاية مشواره. ويكثر في فصول الصيف إطلاق النار في الأفراح والمناسبات، مما يسبب إحداث إصابات بعيارات نارية لأطفال في الشوارع أو مارة، وتكون إصابتهم الأغلب في أعلى الرأس، فيما تستقر المقذوفات النارية داخل الجمجمة. وكما ذكرنا، فإنه في حالة استعمال بنادق الصيد الخرطوش، فإن حبيبات الرش تنتشر بشكل مخروطي وهي تتباعد عن بعضها كلما زادت المسافة بين يد الرامي والهدف، مما يساعد في تحديد مسافة الإطلاق عند دراسة حجم الانتشار.

7. تحديد اتجاهات الإطلاق

يستطيع ضابط مسرح الجريمة والخبير الفني في مسرح الجريمة تحديد اتجاهات إطلاق النار في أغلب الأحيان استناداً إلى موقع الإصابة ونقاط الدخول والخروج في مسرح الجريمة وموقع الأظرف الفارغة في حال وجودها، والوضع الذي كان يجلس أو يقف فيه الضحية قبل إصابته. وفي حال حدوث الإصابة مباشرة باستقامة واحدة، أي أن المقذوف الناري لم يصطدم بأجسام صلبة تغير اتجاهه وبقي يسير في خط مستقيم، فإن من الممكن أخذ امتداد الاتجاه بواسطة الليزر أو بواسطة خيط يشير إلى مكان وجود الرامي التقريبي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *