“تكايسي” عزيزتي.. هو شهر العبادة وليس “الحداگة” المرعبة 

نجاة حمص15 فبراير 2026
“تكايسي” عزيزتي.. هو شهر العبادة وليس “الحداگة” المرعبة 
نجاة حمص

كلها يومين أو ثلاثة ويهل علينا هلال شهر رمضان، كل عام وأنتم بخير، ولو كنا في زمن ما قبل گروبات الواتساب اللعينة التي تجتمع،في معظمها، داعمات “عراضة هماوية”، “أكلة غزالة”، ” وصفة فنة”، و ستوريهات الفيسبوك والانستاغرام التي يزايد بعضها على بعض في “الحداكة” ، لتنططنا فرحا كما كنا نفعل قبل الأهلية والبلوغ، بدل وضع الأيادي على القلوب، وإحساس الضياع والتشرد اللذين نعيشهما سنويا قبل دخول رمضان.

ما إن يبدأ العد التنازلي لاستقبال الشهر الكريم يا مؤمن، حتى تسحب من تحتنا الأفرشة ومن فوقنا الأغطية، “مبارك عواشيركم”، يكثر الحك والجر و الفرك، لا صوت يعلو على خرير المياه وزقزقة إناث الفصيلة البشرية، وكلما تنفسنا الصعداء خرج على “الحاجة” صاحبة البيت فيديو جديد، تتباهى فيه إحدى “الدحسات” بنقاء الزوايا الدقيقة، فتقلب علينا “طال عمرها” سحنتها، وتشير إلينا أن اسحبوا الجدران لننظف خلفها، انزلوا السقف لنرى ما تحته.. و”ما خالگ” حد أحسن حد.

جميل هو شعور التنافس الشريف بين النساء، الإشكال يكمن فقط في كون بعضهن يدخلن المنافسة بمجهودات غير ذاتية، “حداگة” بالوكالة، ما لي أنا والتدقيق في “الركاني” للبحث عن أي ذرة وسخ محتملة، وأنا مجرد ضيفة شدني الحنين لقضاء الشهر الكريم في كنف الأسرة ، لأستمتع بالدفء العائلي الرهيب؟.

ولاشيء يستمر.. المعاناة مع التنظيف والتلميع والشقلبة إلى الخلف وإلى الأمام تنتهي، يسود الصمت ويرخي السكون أستاره على المكان، يختفي صوت الحاجة صاحبة البيت، فيداعب النوم أهدابك وتتثاقل الجفون،..وفجأة، ترمى عليك أكياس حبوب من أصناف شتى وصواني “الإينوكس”من حيث لا تحتسب، سنحضر “الشباكية” و”سليلو” والعقبى عندكم.

سبحان الله، قبل حلول شهر الغفران تزداد رغبة بعض النساء في جلد الذات، وهي حرية شخصية تستحق الإشادة والتنويه وبعض جلسات العلاج النفسي، المشكلة فقط في حب المشاركة وتعميم المتعة على غير “الحادگات” أمثالي، ما دخلي انا بتشبيك العجين وحرق الدقيق والرقص حول النار؟.

لكن، وكما اسلفنا الذكر، هانت.. كل شيء سيمضي وكأن لم يكن، الصبر مفتاح الفرج، من جد وجد ومن زرع علف، كلها 28 ساعة متواصلة وتشبك “الشباكية”، تخلط أصناف الحبوب ليتشكل المدعو “سليلو”، ثم تتفرغ الواحدة منا لعلاج “أكندي” و”الصگيع”، لننتقل لاحقا إلى المعركة الكبرى.. تجهيز الوجبات الليلية الثلاث، وفي مقدمتها الفطور، ومحاولة فض اجتماع الأواني والحلل والشوك والملاعق في المغسلة وحولها.

رمضان هو فرصة للتعرف على مطبخ البيت الكريم، لاكتشاف أواني و”ماعين” هم على الرف بعدد، وبعد الفطور بأعداد خزعبلية غريبة، وكأنهم ينبتون من العدم، يتكاثرون بلا إخصاب ولا تلقيح، ومناسبة لتفتق الموهبة والإبداع، لكن لا يجب أن ننسى، بعد إذن “الحادكات”، بأن الشهر شهر عبادة وقنوت، شهر تبتل وتضرع، شهر الكلمة الطيبة، الهدوء والسكينة، الحلم والاناة، الصدقة الخفية، ..فلا يزايد بعضنا على بعض في عدد الأشكال والتشكيلات، رفقا بأنفسكن وبنا.

 

 

نجاة حمص

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *