بعد سنوات من الجفاف الحاد والإجهاد المائي، كشفت التساقطات المطرية الأخيرة عن تحسن ملموس في وضعية الموارد المائية بالمملكة، تُرجم بارتفاع لافت في حقينات السدود وعودة الفرشات المائية إلى الانتعاش. ووفق معطيات رسمية، تجاوزت نسبة الملء الإجمالية لسدود المغرب 61,20 في المائة، بحجم مخزون يفوق 10,25 مليارات متر مكعب من أصل سعة إجمالية تناهز 16,76 مليار متر مكعب، وهو مستوى يعكس تحولاً نوعياً مقارنة بالسنوات الماضية.
وسجلت عدة سدود واردات مائية مهمة خلال فترات وجيزة، من بينها سد إدريس الأول بتاونات، وسد دار خروفة بالعرائش، وسد بين الويدان بأزيلال، إضافة إلى سد أحمد الحنصالي ببني ملال، فيما استقبل سد المسيرة واردات قاربت عشرة ملايين متر مكعب رغم استمرار ضعف نسبة ملئه. هذه الأرقام تؤكد الأثر الإيجابي للتساقطات الأخيرة، لكنها في الآن ذاته تُبرز أهمية السدود في ضبط الموارد والتحكم في تقلباتها.
الفيضانات تختبر الجاهزية… والدولة تعبئ إمكانيات غير مسبوقة
بموازاة هذه الانتعاشة، شهدت عدة أقاليم موجات فيضانات حادة، وضعت البنية المائية ومنظومة التدبير الترابي أمام اختبار حقيقي. وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الداخلية، في معطيات محينة، أنه جرى إلى حدود 6 فبراير الجاري إجلاء ونقل 154 ألفاً و309 أشخاص من الجماعات الترابية المعرضة لمخاطر الفيضانات، في إطار تدخلات وقائية استباقية لحماية الأرواح.
وتوزعت عمليات الإجلاء أساساً على إقليم العرائش بـأزيد من 112 ألف شخص، وإقليم القنيطرة بـ23 ألفاً، وسيدي قاسم بـأكثر من 14 ألفاً، وسيدي سليمان بـما يفوق 4 آلاف شخص، مع تسجيل مغادرة شبه كاملة لساكنة مدينة القصر الكبير، في واحدة من أكبر عمليات الإجلاء الوقائي التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة. وقد جرت هذه العمليات بتعبئة واسعة لمختلف الوسائل اللوجستيكية، في ظل توقعات رسمية بعدم انحسار الفيضانات وارتفاع منسوب المخاطر.
ويرى متتبعون أن هذه الفيضانات، رغم حدتها، كانت ستخلف خسائر بشرية ومادية أكبر لولا وجود السدود واعتماد تفريغات وقائية وتدبير استباقي للحقينات، ما يؤكد دور هذه المنشآت كخط دفاع أول في مواجهة الظواهر المناخية القصوى.

من سبو إلى زيز… السدود تعيد الأمل للمجالات القروية
في الجنوب الشرقي للمملكة، عكست وضعية سد الحسن الداخل بإقليم الرشيدية صورة أخرى لنجاعة السياسة المائية، حيث بلغت نسبة ملئه 76 في المائة إلى غاية 5 فبراير الجاري، بحجم مخزون ناهز 237 مليون متر مكعب، مقابل 62 في المائة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. كما ارتفعت نسبة ملء مجموع سدود حوض كير–زيز–غريس إلى 59 في المائة، بحجم إجمالي يفوق 318 مليون متر مكعب.
هذا التحسن مكّن من تخصيص 86 مليون متر مكعب لسقي واحات زيز وسهل تافيلالت خلال الموسم الفلاحي الجاري، وساهم في إنعاش أزيد من 14 ألف هكتار من الأراضي الفلاحية، مع تسجيل تحسن في الغطاء النباتي ومستوى المياه الجوفية، وإعادة الأمل لآلاف الفلاحين بعد سنوات من الجفاف.
رؤية ملكية بعيدة المدى… من البناء إلى الحكامة
هذه التطورات الميدانية تعيد إلى الواجهة الرؤية المتبصرة للمغفور له الملك الحسن الثاني، الذي أطلق منذ ستينيات القرن الماضي الورش الملكي للسدود، باعتبار الماء ركيزة للسيادة والاستقرار والتنمية. وقد مكّنت هذه السياسة، عبر عقود، من ضمان التزود بالماء الشروب، ودعم الفلاحة المسقية، وحماية البلاد من آثار الجفاف والفيضانات.

وفي عهد الملك محمد السادس، تعزز هذا الخيار عبر برامج وطنية كبرى، واستثمارات ضخمة، ومشاريع ربط الأحواض المائية، ما سمح بتكييف السياسة المائية مع التحولات المناخية. واليوم، لم يعد الرهان يقتصر على تشييد السدود، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيدا تقوم على الحكامة المتكاملة، والتدبير الاستباقي للمخاطر، ومعالجة الإشكالات البنيوية مثل توحل السدود والتبخر، بما يجعل من السياسة المائية خياراً استراتيجياً متجدداً لا غنى عنه في مغرب المناخ المتقلب




































