الجزائر والمغرب: اختلاف المقاربة في التعامل مع العمق الإفريقي

رئيس التحرير25 يناير 2026
الجزائر والمغرب: اختلاف المقاربة في التعامل مع العمق الإفريقي

تكشف الأحداث المتسارعة في شمال إفريقيا عن تباين صارخ في مقاربة دول المنطقة لقضايا الهجرة والانتماء الإفريقي، حيث تبرز حالتان متناقضتان: سياسة الطرد الجماعي التي تنتهجها الجزائر في حق المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، مقابل خطاب التهدئة والاحتواء الذي اختاره المغرب في لحظة إقليمية حساسة.

فبحسب ما أورده Le Journal du Dimanche اعتمادا على معطيات Info Migrants، فقد أقدمت الجزائر خلال سنة 2025 على ترحيل أكثر من 34 ألف مهاجر من دول إفريقيا جنوب الصحراء نحو النيجر، في عمليات وُصفت بأنها غير مسبوقة من حيث العدد والوتيرة. وأكدت Alarme Phone Sahara أن كثيرًا من هؤلاء المهاجرين جرى التخلي عنهم في مناطق صحراوية معزولة، في ظروف قاسية تطرح أسئلة أخلاقية وإنسانية عميقة.

هذه السياسة، التي تسارعت بشكل لافت خلال ربيع 2025، لم تعد مجرد إجراءات أمنية ظرفية، بل تحولت إلى نهج ممنهج للتعامل مع الهجرة، يقوم على الردع والطرد الجماعي، بصرف النظر عن التداعيات الإنسانية، أو عن الالتزامات الإقليمية والدولية المتعلقة بحماية المهاجرين. وقد انعكست هذه الممارسات مباشرة على دولة النيجر، التي وجدت نفسها أمام ضغط إنساني يفوق قدراتها، ما دفع سلطاتها إلى التحذير من “كارثة إنسانية” وطلب دعم عاجل من المنظمات الأممية.

في الجهة المقابلة، شهد المغرب خلال الفترة نفسها نقاشًا داخليًا متوترًا، عقب تنامي بعض الخطابات العنصرية المعزولة تجاه مواطنين أفارقة، في سياق تفاعلات رياضية وشعبية رافقت تنظيم كأس إفريقيا للأمم. غير أن التعاطي الرسمي مع هذا الوضع اتخذ منحى مغايرًا تمامًا، حيث جاء بلاغ ملكي واضح وحازم يضع الأمور في سياقها الإفريقي الصحيح.

فقد شدد الملك محمد السادس على أن المغرب سيظل “بلدًا إفريقيًا كبيرًا وفيًا لروح الأخوة والتضامن والاحترام”، مؤكدًا أن أي سلوكيات معزولة أو حملات تشهيرية لن تنال من الروابط التاريخية التي تجمع المغرب بعمقه الإفريقي. ولم يكن هذا الخطاب مجرد موقف أخلاقي، بل امتدادًا لرؤية سياسية تعتبر إفريقيا شريكًا استراتيجيًا، لا عبئًا أمنيًا أو ديموغرافيًا.

المقارنة بين النهجين تكشف اختلافًا جوهريًا في الفلسفة السياسية. ففي حين تنظر الجزائر إلى الهجرة الإفريقية من زاوية أمنية ضيقة، وتتعامل معها بمنطق الإبعاد والعقاب الجماعي، يحرص المغرب، رغم التحديات الواقعية، على تأطير النقاش داخل منطق التضامن والمسؤولية المشتركة، مع الاعتراف بوجود اختلالات مجتمعية تحتاج إلى معالجة هادئة لا إلى تأجيج.

ولا يتعلق الأمر هنا بتجميل صورة أو تبرير اختلالات، بقدر ما يعكس اختيارين سياسيين متناقضين: أحدهما يكرس القطيعة مع العمق الإفريقي عبر ممارسات ميدانية قاسية، والآخر يسعى إلى تحصين هذا العمق بخطاب رسمي جامع، يوازن بين السيادة الوطنية والواجب الإنساني.

في زمن تتصاعد فيه الأزمات العابرة للحدود، من الهجرة إلى التغير المناخي، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة إفريقية قائمة على التعاون بدل الترحيل، وعلى الشراكة بدل الإقصاء. وبين صحراء يُترك فيها المهاجرون لمصيرهم، وخطاب ملكي يدعو إلى وحدة القارة، تتجسد بوضوح ملامح إفريقيا التي نريد… وإفريقيا التي يجب تجاوزها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *